الصفحة 127 من 201

وأمَّا الدَّارَقُطْنِيّ فكتابه مملوءٌ (1) مِن الأحاديث الضعيفةِ والغريبةِ والشَّاذةِ، والمعلَّلَةِ، وَحُكِي أَنَّهُ لَمَا دَخَلَ مِصرَ سألَ بَعضُ أَهلها تَصنيفَ شَيء في الجهرِ بالبسملةِ؛ فَصنَّفَ فيه جُزءً، فأتاه بَعضُ المالكيَّةُ، فأقسَمَ عليه أن يُخبِرَهُ بالصَّحيحِ مِن ذَلِكَ ، فقال: كُلَّ ما رُوي عن النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ في الجهرِ فَليسَ بصحيحٍ .

وأمَّا البيهقيُّ فَهُوَ رَجلٌ مُشتبه، والعجبُ مِن الثَّوريِّ أيضًا كيف ذَكَرَ الأحاديثَ الضَّعيفةَ وانتصر لَها وصحَّحها، ولم يَذكر مَا قِيل:

فإن كُنتَ لا تَدرِي فَتلكَ مُصيبةٌ

وإن كُنتَ تَدري فالمصيبةُ أَعظمُ

وقال بَعضُ الحفَّاظِ: إنَّما كَثَرَ الكَذِبُ في أَحادِيثِ الجهرِ على رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ وأصحابه، لأنَّ الشِّيعةَ تَرى الجهرَ، وَهُم أَكذبُ الطوائفِ، فَوضعوا في ذلك أحاديثَ، ولذلك تَرى غالبَ أحاديثهِ مُسندة مِن أَهل التَّشيعِ (2) .

وبالجملةِ: فَلا عِبرةَ لمخرجي أحاديثِ الجهرِ ورواتها، خُصوصًا في مُقابلةِ أصحابِ الصِّحاحِ.

وثالثها: أنَّ رُواةَ أحاديثِ الجهرِ ضُعفاءٌ، ولم يُوجد حديثٌ مِنْها لا يَكونُ فيه ضَعفٌ، كَمَا بَسطه الزّيلعيّ، ناقلًا عن العلامةِ ابْنِ عَبْدِالهادي (3) ، والحازمي (4) وغيرِهما.

فكيفَ تُعادَلُ أَحاديثُ السِّرُّ التي رُواتها مِن رُواةِ الصِّحاحِ .

ورابعها: أنَّ الجهرَ ممَّا تَفردَ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ مِن أصحابِ رسول الله ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ وخَبرُ الواحدُ في ما تَعُمُّ بِهِ البلوى غَير مَقبول بخلافِ السِّرِ فَقد رَواهُ جَمعٌ، كَذَا قِيلَ.

(1) في الأصل (( مملو ) ).

(2) في (( البِنَاية ) ) (ج2/ص233) .

(3) في (( نصب الراية ) ) (ج1/ص411) .

(4) في (( نصب الراية ) ) (ج1/ص438-440) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت