فهرس الكتاب
وأنتَ تَعلمُ أنَّ هذا الوجهَ ضَعيفٌ، لأنَّهُ قد رَوى الجهرَ غير أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَيٌّ وعَمَّارٌ وابن عمرَ وغيرُهم أيضًا، كَمَا عَرفتَ .
فإنَّ قُلتَ: الإخفاء بالبسملةِ إنَّما رَواهُ مِن الصَّحابةِ اثنان أنسٌ وعبدُاللهِ بن مغفل.
وأحاديثُ الجهرِ رواها أربعةَ عَشَرَ صَحابيًا، فَينبغي تَرجيحها عَليها.
قُلتُ: لا عِبرةَ لِكثرةِ الرُّواةِ في باب التَّرجيحِ عند جَمعٍ مِن الْحَنَفِيَّةِ، على أنَّ كَثرةَ الرُّواةِ هاهنا يُعتمدُ عليها بعد صِحَّةِ الطَّرفين، وأحاديثُ الجهر لَيسَ فيها صَحيحٌ صَريحٌ في الجهرِ، بخلافِ أحاديث السِّرِّ فإنِّها صَحيحةٌ صريحةٌ في السَّرِّ، مع أنَّ أحاديثَ الجهرِ وإن كَثرت رُواتُها، لكن كلُّها ضَعيفَةٌ، وَكَمْ مِن حديثٍ كَثرت رُواتُهُ وتَعدَّدت طُرقُهُ وهو باقٍ على ضَعفِهِ لا يُعادل الصِّحاح الواردةَ بخلافهِ .
فإنّ قُلتَ: رواياتُ الإخفاءِ شَهادةٌ على نَفي، ورواياتُ الجهرِ شهادة على الإثباتِ، والإثباتُ مُقدَّم على النَّفي، على مَا تقرّر في مَوضِعه.
قُلتُ: تَقدِيمُ الإثباتِ على النَّفي إنَّما هو عند تَعادلهما، ولا تَعادلَ للضَّعيفِ مع الصَّحيحِ (1) .
ومنهم مِن سَلكَ مَسلَكَ التَّأويل:
وقال يُحتَملُ أن يكونَ جهر النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ في بعضِ الأحيان لتعليمِ النَّاس أَوْ يَكونُ يَجهرُ بها جَهرًا يَسيرًا بحيثُ يَسمَعُهُ مَنْ قَربَ مِنهُ، ولا يُسمَّى ذلك جهرًا، كَما وردَ أنَّهُ كان يُصلِّي بهم الظُّهر فَيسمعُهم الآية والآيتين أحيانًا .
(1) زيادة التفصيل في (( نصب الراية ) ) (ج1/ص437) .