الصفحة 153 من 201

وطريقُ الإنصافِ أن يُقالَ ادِّعاءُ النَّسخ في كلا المذهبينَ مُتعذِرٌ؛ لأنَّ مِن شَرطَ النَّاسخِ أن تكونَ لَهُ مَزِيَّةٌ على المنسوخِ مِن حيث الثُّبوت والصّحة، وَقَدْ فقدناها هاهنا غير أنَّ هاهنا شيئًا، وهو أنَّ أَحاديث الجهرِ وإن كانت مأثورةٍ عن جماعةٍ مِن الصحابةِ، إِلا أنَّ أَكثرها لا يَسلَمُ مِن شَوائب الجَرحِ.

والاعتمادُ في هذا البابِ على رِوَايَةِ أنسٍ بنِ مالكٍ، لأنَّها أَصحَّ وَأَشهر، وَقَدْ اختلفت (1) الرَّواياتُ عَنه (2) وكلُّها صَحيحةٌ مُخرجة في كتب الأئمةِ، وغير مُستبعدٍ وقوعُ الاختلافِ في مثلِ ذَلِكَ.

وَكَمْ شَخصٍ يَتغافلُ عن أمرٍ هو مِن لَوازمِهِ، وَيَتَنبَهُ لأمرٍ لَيسَ مِن لَوازمِهِ.

ومِن أَعجبِ ما اتفق لي أنَّي دَخلتُ جامعًا في بعضِ البلادِ لِقراءةِ شيءٍ في الحديثِ، فَحَضَرَ إِليَّ جَماعةٌ مِن أهلِ العلمِ، وَهُم مِن المواظبينَ على الجَماعةِ في الجامعِ، وَكَانَ إمامُهم صَيِّتًا يَملأ الجامعَ صَوتُهُ، فَسألتُهم عنه هَلْ يَجهرُ ببِسْم اللَّهِ أو يُخفِيها.

فاختلفوا في ذَلِكَ، فَقَالَ بَعضُهم: يَجهر، وَقَالَ بَعضهم: لا ، وتوقف آخرون.

والحقُّ أنَّ كُلَّ مَنْ ذَهبَ إِلى أي هَذِهِ الرِّواياتِ فَهُوَ مُتمِّسكٌ بالسُّنَّة. انتهى كلامه (3) .

وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو أمامة ابن النَّقاش الَّذِي يَرومُ تَحقيق هَذِهِ المسألةِ، يَنبغي أن يَعلم أنَّ هَذِهِ المسألةِ بعلمِ القراءاتِ أَمس مِن علمِ الأحاديثِ، فإنَّ مِن القراءِ الَّذِينَ صحَّت قِراءتهم، وتواترت عن رسول الله:

مِنْهُمْ: مَنْ كان يَقرأ بها آية مِن الفاتحةِ مِنْهُمْ عاصم، وحمزة، والكسائي، وابن كثير، وغيرهم مِن الصحابة والتابعين.

وَمِنْهُمْ: مَنْ لا يَعدُّها آية كابن عامرٍ وأبي عَمروٍ ونافعٍ في روايةٍ عندَهُ.

(1) في الأصل: (( اختلف ) ).

(2) في الأصل: (( عنها ) ).

(3) من (( نصب الراية ) ) (ج1/ص437-439) باختصار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت