وَحُكمُ قِراءتها في الصَّلاةِ حُكمُ قِراءتها خارجها، فَحينئذٍ الخلافُ فيها كالخلافِ في حرفٍ مِن حروفِ القرآن، وكلا القولينِ صحيحٌ لا مَطعنَ على مُثبتِهِ ولا على مُنفيهِ.
وليست هَذِهِ أوَّلُ حرفٍ اختلف في إثباته وحذفه، وقلَّ سُورةٌ في الْقُرْآنِ لَيسَ فيها ذَلِكَ، وكلُّ هذا مِن نَتيجةِ كَونِ الْقُرْآن أُنزَلَ على سَبعةِ أَحرفٍ.
وَلا ريب في أنَّ الواقعَ عن رَسُولِ اللهِ كلا الأمرين، فَجَهَرَ وَأَسَرَّ غير أنَّ إسرارهُ كان أَكثرَ مِن جَهرِهِ.
وَقَدْ صحَّ في الجهرِ أحاديثَ لا مَطعنَ فيها لمنصفٍ، نَحَوَ ثَلاثَةِ أحاديثَ.
كَمَا أَنَّهُ صحَّ في السِّرِّ أحاديث.
وَلا يُلتَفتُ لِمَن يَقول الواقعُ مِنْهُ الجهرُ فقط. انتهى كَلامُهُ على مَا أورَدَهُ القَسْطَلانيّ في (( المَوَاهب اللَّدُنِّيَّة ) ) (1) .
قُلْتُ: هذا هو الحقُّ عندي أيضًا، فإنَّ إنكارَ الجهرِ عن رسولِ الله ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ مُطلقًا مُتعسِّرٌ بل مُتعذِّرٌ، ولو صَحَّ إنكاره أَوْ حَملُهُ على تَعليم المقتدين وَنَحو ذَلِكَ، فلا يَتيسرُ مِثلُهُ في الآثار المرويةِ عن الصَّحَابَةِ والتَّابعينَ.
نَعَمْ ؛ المعلومُ مِن جمعِ الرِّواياتِ أنَّ السِّرَّ أكثرَ وُقوعًا وأقوى عملًا؛ وهو لا يَستلزمُ إنكارَ الجهرِ مُطلقًا.
فالقولُ بأنَّ السِّرَّ مكروهٌ، والجهر مسنونٌ، كَما ذَهبَ إليهِ الشَّافِعِيّة في غايةِ إفراطٍ في حقِّ الجهرِ وَتَفريطٌ في حقِّ السِّرِّ.
والقولُ بالعكس كما ذَهبَ إِلَيْه أكثرُ أصحابِنا بالعكس، وخيرُ الأمور أوسطها، فاحفظهُ فإنَّهُ تَحقيقٌ شَريف قَلَّ مَنْ تنبه عَليهِ.
وَبَعْدَ اللتيا والَّتِي: نقول بقي الكلامُ على مَذهبنا في هذا المقامِ من وجوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم اختلفوا في أنَّ الْبَسْمَلَةَ في الصَّلاةِ ماذا ؟ هَلْ هي سنةٌ؟ أم واجبةٌ؟
(1) شرح المَوَاهب اللَّدُنِّيَّة (ج10/ص326-238) .