وَلذلكَ تَركتُ هذا الالتزام، فَتارةً أقرأ على رأسِ { إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ } (1) ، وتارةً على رأسِ سورةِ الفيل، وتارةً على رَأسِ سُورةِ البَقرةِ، وتارةً على رَأسِ غيرِها، فإنَّ التزامَ أمرٍ لم يُعهد في الشَّرعِ لُزومُهُ يَجرُّ إلى مَفاسدَ، كَمَا إنِّي تركتُ تَكريرَ سُورةِ الإخلاص في (( التَّروايح ) )؛ لعدم كَونِهِ مَنقولًا مِن الصَّحَابَةِ ومَن بَعدَهم في مَا وَقَفْنَا عليه.
والفقهاءُ وإن صرحوا بأنَّهُ يُستَحبُ عند خَتمِ الْقُرْآن، أن يقرأ الإخلاص ثلاثَ مراتٍ جَبرًا للنقصانِ، لكنهم نَصَّوا على أنَّ هذا فيما إِذَا كان الختمُ خارجَ الصَّلاةِ.
وأمَّا إذا كان في الصَّلاة فَيكرَهُ التَّكريرُ، وَحفاظُ زَماننا مُصرونَ على هذا التَّكرير ظانينَ أنَّ التَّراويح تَطوُّعٌ، والتَّطوُّعُ يَجوزُ فيه تَكريرُ سُورةٍ واحدةٍ، ولا يَعلمونَ أنَّ التَّروايحَ وإن كان من التَّطوعات لَكنه مَنقولٌ بِهيئةٍ مَعهودةٍ من السَّلف، ولم يُنقل عنهم التَّكريرُ.
وقد صَرَّحَ بعضُ الفقهاءِ أنَّ للتَّراويح حُكمُ الفرضِ لِهذا. واللهُ أعلم.
مسألةٌ:
لا تُسَنُّ الْبَسْمَلَةُ قَبلَ دُعاءِ القُنوتِ في الوترِ؛ لِخلو أَكثر الأحاديثِ الواردةِ في دعاءِ الوترِ المرويةِ في الصِّحاحِ السِّتَّة وغيرها عن ذِكرِها، كيف لا ؟ وهو دُعاءٌ مِن الأدعية وذِكرٍ مِن الأذكارِ، والبسملةُ غيرُ مَسنونةٍ عند الذِّكرِ، والدُّعاء.
نَعَمْ ؛ عند ابْن مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما ـ القنوتُ من القرآنِ وكان سُورتينِ:
أَحدُهما: تُسمَّى سُورة الخلع، وهي بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، اللهم إنا نَستعينك إلى قولهِ مَن يَفجرك.
والأخرى: سُورة الحفد، وهي بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، اللهم إياك نعبد إلى ملحق، كما ذَكَرَهُ السّيوطيّ في (( الدُّرْ المنثور ) ).
(1) مِن سورة الكوثر، آية (1) .