القاتل مسئولًا عن القتل العمد، أما في حالة القتل بالتسبب فلا يسأل القاتل باعتباره قاتلًا عمدًا إلا إذا قصد شخصًا معينًا يفعله وهلك هذا المعين، فإن قصد غير معين فلا يسأل باعتباره قاتلًا متعمدًا، وإنما يسأل عن القتل الخطأ [1] .
ويمكن تعليل رأي الشافعيين بأن القتل العمد يشترط فيه قصد إزهاق روح المجني عليه، وهذا الشرط لا يتحقق إلا إذا قصد الإنسان فعلًا يؤدي للقتل، وقصد به شخصًا معينًا، فإن قصد غير معين فقد قصد الفعل دون شك ولكنه لم يقصد إزهاق روح المجني عليه الذي لا يعرفه ولا يدري من يكون، والذي قد يتضح فيما بعد أنه أعز الناس على الجاني وأحبهم إليه، فالجاني لا يمكن أن يقصد قصدًا صحيحًا أو جديًا إزهاق روح إنسان قبل أن يتعين لديه هذا الإنسان، والجاني يؤخذ في القتل العمد بأنه قصد إزهاق روح القتيل مع أنه لا يمكن أن يقال في حالة القصد غير المعين إن الجاني قصد إزهاق روح القتيل بالذات، وإذا انعدم قصد إزهاق روح القتيل فقد بقى قصد الفعل الذي أدى للموت، وهذا الفعل يكيف شرعًا بأنه قتل شبه عمد [2] .
ويمكننا أن نعلل رأي المالكيين بنفس التعليل السابق، كما يمكننا أن نعلل تفرقتهم بين القتل المباشر والقتل بالتسبب بأن المجني عليه في حالة القتل المباشر يكون في الغالب معينًا؛ لأن القاتل يباشر القتل بنفسه دون واسطة، فهو لا يباشر الفعل القاتل قبل أن يتمكن من المجني عليه، وإذا تمكن منه فقد أصبح معينًا لديه، بعكس الحال في القتل بالتسبب، فإن الجاني يباشر القتل بواسطة، وهو في أغلب الأحوال يستطيع أن يباشر الفعل القاتل قبل أن يتمكن من المجني عليه وقبل أن يصبح معينًا لديه.
(1) مواهب الجليل ج6 ص240، شرح الدردير ج4 ص216.
(2) يمكن الوصول للنتيجة نفسها مع اعتبار الفعل قتلًا عمدًا إذا قلنا: إن هناك شبهة في صحة القصد أو في جديته، لأن الحدود تدرأ بالشبهات، ويترتب على درء عقوبة القصاص أن يعاقب على الفعل بعقوبة القتل شبه العمد مع وصفه بأنه قتل عمد.