وقد سلك الفقهاء هذا المسلك؛ لأنه أقرب إلى العدالة وألصق بطبائع الأشياء، فلو أنهم اكتفوا في تحديد رابطة السببية بالسبب المباشر فقط كما فعل شراح القانون الفرنسي في القتل العمد لأدى ذلك إلى خروج كثير من الأفعال التي يعتبرها العقل والعرف قتلًا، ولو أنهم بالغوا فأخذوا بكل سبب غير مباشر كما فعل بعض الشراح الألمان لأدخلوا في دائرة القتل أفعالًا كثيرة لا يعتبرها عرف الناس ولا منطقهم قتلًا.
ومن أجل ذلك جاءت نظرية السببية في الشريعة مرنة تتسع لكل ما يتسع له عرف الناس ومنطقهم، عادلة؛ لأنها تعتمد على شعور الناس بالعدالة وإحساسهم بها، بل لإن جعل العرف مقياسًا تقاس به كفاية السبب لتحقيق النتيجة هو الذي ضمن لنظرية الشريعة البقاء ما بقى الناس، لأن الناس - سواء تقدموا أو تأخروا جهلوا أو تعلموا - لهم عرف يطمئنون إليه وعقول لا ترتاح إلا إلى ما تراه عدلًا، ونظرية الشريعة تتمشى مع عرفهم ونظرهم للعدالة في كل وقت وفي كل ظرف.
323 -بين الشريعة والقوانين: ونظرية الشريعة في السببية تفضل على قدمها النظرية الفرنسية وتتفق مع أحدث النظريات التي ظهرت في دائرة القوانين الوضعية.
فالشراح الفرنسيون حتى اليوم لا يقبلون في القتل العمد إلا السبب المباشر؛ أي السبب الذي يؤدي للموت بشرط أن لا تتوسط بينه وبين الموت عوامل أخرى تؤدي بذاتها للموت أو تساعد على إحداثه، فمثلًا إذا ضرب الجاني شخصًا أو جرحه بقصد قتله فأهمل المجني عليه العلاج أو أساء علاج نفسه أو كان مريضًا أو ضعيفًا فساعد إهماله أو سوء علاجه أو مرضه أو ضعفه على الوفاة، فإن الضرب أو الجرح لا يعتبر في نظر الشراح الفرنسيون علة مباشرة للموت؛ لأن هناك عوامل أخرى ساعدت على إحداث الوفاة وقد لا تحدث الوفاة لو لم تكن هذه العوامل.