ويطبق الشراح الفرنسيون نظريتهم هذه في حالة القتل العمد فقط، ولكنهم لا يرون بأسًا من قبول السبب غير المباشر في القتل الخطأ، وفي هذه التفرقة وحدها ما يؤكد أن نظريتهم معيبة؛ لأنه إذا كان العدل يقتضي أن لا يقبل في القتل العمد إلا السبب المباشر فمن الظلم أن يقبل السبب الغير مباشر في القتل الخطأ، وإذا كان العدل يقتضي أن يقبل السبب غير المباشر في القتل الخطأ فمن الظلم أن لا يقبل في القتل العمد.
وأحدث نظريات السببية تأخذ بالسبب المباشر وبالسبب غير المباشر معًا، وقد ظهرت هذه النظريات الحديثة في ألمانيا وإنجلترا وإيطاليا وسويسرا وانتقلت إلى غيرها من البلاد، وتعتبر النظريات الألمانية في السببية أنموذجًا لأحدث النظريات في السببية، ولذلك سنكتفي بعرضها.
وأول النظريات الألمانية هي نظرية السبب الأقوى أو السبب الفعال، وبمقتضى هذه النظرية يسأل الجاني عن النتيجة إذا كان فعله هو السبب الأساسي في إحداثها، ولو كانت هناك عوامل أخرى ساعدت على إحداث النتيجة؛ لأن هذه العوامل تعتبر شروطًا لحدوث النتيجة لا أسبابًا لها ما دام أنها لا تقوم بالدور الأول في إحداث النتيجة، أما إذا قام أحد هذه العوامل بالدور الأول في إحداث النتيجة فإن النتيجة تنسب إليه ويصبح فعل الجاني شرطًا لحدوث النتيجة لا سببًا لها. وقد أخذ على هذه النظرية أنها تقوم على المفاضلة بين العوامل التي تؤدي لإحداث النتيجة من حيث قوة هذه العوامل وضعفها، مع أنها جميعًا ضعيفها وقويها ضرورية لإحداث النتيجة، ولو امتنع أحدهما مهما كان ضعيفًا لما انتهت النتيجة للشكل الذي انتهت عليه.
وقد ظهرت بعد ذلك نظرية ثانية هي نظرية التعادل أريد منها معالجة عيب النظرية الأولى، ولذلك فإن أصحابها لا يفاضلون بين العوامل التي تؤدي إلى إحداث النتيجة بل يضعونها جميعًا في مستوى واحد، وعندهم أن فعل الجاني هو العامل