رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [1] ..
وقال تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [2] .
وقال جبريل للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم: «يا محمد، عش ما عشت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه» [3] .
ومعنى قوله {حَتَّى إذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ} أي بحُضور أسبابه وعلاماته من رؤية الملائكة وغلبة المرء على نفسه وبلوغ الرُّوح الحلقوم [4] .
قوله {قَالَ إنِّي تُبتُ الآن} .
أي: قال في هذه الحال حال حضور الموت واليأس من الحياة"إني تبت الآن"، فهؤلاء لا تنفعهم التوبة في هذه الحال [5] ؛ لأنَّ توبتهم توبة اضطرار لا اختيار، كما قال تعالى عن فرعون: {حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آَلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [6] .
وقال تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْا بَاسَنَا قَالُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَاسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} [7] [8] .
وقال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} [9] .
قال الحافظ ابن كثير [10] :
"فأما متى وقع الإياس من الحياة وعاين الملك، وحشرجت الرُّوح في الحلق وضاق بها الصدر وبلغت الحلقوم، وغرغرت النفس صاعدة في الغلاصم [11] ؛ فلا توبة مُتقبَّلة حينئذ، ولات حين مناص .. كما قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْا بَاسَنَا قَالُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} الآيتين، وكما حكم تعالى بعدم توبة أهل الأرض إذا عاينوا الشمس طالعة من مغربها، كما قال: يَوْمَ يَاتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا"
(1) سورة الرحمن، الآيتان: 26، 27.
(2) سورة الزمر، آية: 30.
(3) أخرجه من حديث سهل بن سعد - رضي الله عنه - الحاكم في"المستدرك"4/ 360 حديث 7921 وأبو نعيم في"الحلية"3/ 253، والبيهقي في"شعب الإيمان"7/ 349 حديث 10541، وأخرجه البيهقي أيضًا في"الشعب"7/ 348 حديث 10540 من حديث جابر - رضي الله عنه - وأخرجه أيضًا أبو نعيم في"الحلية"3/ 202 من حديث علي - رضي الله عنه - وصححه السيوطي في"الجامع الصغير"حديث 89، وسحنه الألباني في"صحيح الجامع الصغير"حديث 73، وفي الأحاديث الصحيحة حديث 829.
(4) انظر"جامع البيان"8/ 98،"شرح صحيح مسلم"1/ 164،"مدارك التنزيل"1/ 302،"تفسير بن كثير"2/ 208.
(5) انظر"جامع البيان"8/ 98،"الجامع لأحكام القرآن"5/ 93.
(6) سورة يونس، الآيتان: 90، 91.
(7) سورة غافر، الآيتان: 84، 85
(8) انظر"التفسير الكبير"10/ 6، 7،"مدارج السالكين"1/ 317 - 320.
(9) سورة المؤمنون، الآيتان: 99، 100.
(10) في"تفسير"2/ 208.
(11) الغلاصم: جمع غلصمة وهي رأس الحلقوم، والموضع الناتيء في الحلق، وقيل هي اللحم بين الرأس والعنق. انظر"لسان العرب"مادة:"غلصم".