هل رأيت عظم المنة وقدر النعمة من الله تعالى علينا حين فرض علينا بل فرض لنا الصلاة وبين لنا صفتها وأوقاتها وأحكامها وجميع ما يتعلق بها بدقة ووضوح، ولم يشترط علينا لمعرفة جزءًا من ذلك أن نصل في علم الكون إلى مستوى آرثر أو تشارلس اللذان أدركا - فقط - قيمة الصلاة بعد هذه الرحلة الطويلة من التجارب والبحث .. والسؤال: كم من الوقت يكفيهما وأمثالهما ليدركا كيفية الصلاة المرضية لله تعالى وفضلها وواجباتها و ... الخ.
* وهمسة من المساجد ورد في الحديث القدسي: «إن بيوتي في أرضي المساجد، وإن زواري فيها عمارها، فطوبى لعبد تطهر من بيته ثم زارني في بيتي، فحق على المزور أن يكرم زاره» [1] ، وفي إحساس المؤمن بهذه الحقيقة، ومصاحبته لهذه النية في دخوله المسجد وشعوره فيه أنه من ضيافة الله، ارتفاع بمعنى الصلة بالله، وشعور كريم بعطف الله وبره وفضله، يجعل من دخول المسجد تربية فوق ما يجد منها في الصلاة.
وفي المسجد يحس المؤمن بحقيقة المساواة، لا امتياز لأحد على أحد، فالكل سواسية بين يدي الله، تعنو له جباه الجميع، وتلهج له ألسنتهم بالدعاء والابتهال، وفيها يحس بقوة الجماعة ووحدتها وأخوَّتها في ظل هذا اللقاء الطاهر في ضيافة الله، وفيها يحس بحقيقة كيانه في الجماعة وحقيقة علاقته بالإِمام؛ فهو يطيعه طاعة واعية مبصرة ما قام بالحق وأدى أوامر الله، فإذا أخطأ أو سها رده إلى الحق وأرشده إلى
(1) رواه أبو نعيم في الحلية.