* همسة لئلا تكون هلوعًا وجزوعًا ومنوعًا، قال تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ} [1] .
تأمل هذه الآيات الأربع ليتملكك العجب، ويزداد يقينك بأن كلام الله لا يمكن أو يقدر بشر على مثله، فإن الله سبحانه لما وصف الإنسان بقوله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} والهلع هو الفزع الشديد، ذكر ما يثيره الهلع للإنسان فقال: {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا} والجزع: ضد الصبر، {وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} والمنع: ضد الإعطاء، وكلا الوضعين مذموم قد أمر الشرع بضديهما من الصبر والإِيثار، وقد أثنى الله سبحانه على الصابرين والمؤثرين، فتبين أن الهلع من أرذل صفات الإنسان، فذكر الله صفات من سَلِم منه فقال: {إِلَّا الْمُصَلِّينَ} أي المحافظين على الصلاة التي هي مواطن الافتقار، العريقين في هذا الوصف، فإنه لا يشتد هلعهم فلا يشتد جزعهم ولا منعهم، فيكونوا في أجسن تقويم معتدلين مسارعين فيما يرضى الرب، لأنه سبحانه قرن بما جبلهم عليه من الهلع من طهارة الجسد لطهارة طينته وزكاء ما هيأه به لتهذيب نفسه مما يسره له من أصدقاء الخير وأولياء المعروف وسماع المواعظ الحسان، والإِبعاد عن معادن الدنس من البقاع والأقران والكلام والأفعال وغير ذلك من سائر الأحوال: والملابسة بكل ما يحمل على المعالي من صالح الخلان حتى كانوا من أهل الكمال، ولذلك وصفهم بما يبين عراقتهم في الوصف بها فقال: {الَّذِينَ هُمْ}
(1) سورة المعارج: الآيات: 19 - 22.