الصفحة 14 من 29

وهؤلاء يعذبون من اتبعه بأنواع العذاب:

فمنهم من يضجعونه على الرمل في شدة الرمضاء ويمنعونه الماء.

ومنهم من ألقوه على النار حتى ما أطفأها إلا ودك [1] ظهره، ومنهم امرأة عذبوها لترجع عن دينها فلما يئسوا منها طعنها أحدهم بالحربة في فرجها فقتلها [2] .

كل ذلك لا لشيء إلا أنه يدعوهم إلى أن يخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن الفساد إلى الصلاح، ومن سخط الله إلى رضوانه، ومن عذابه الخالد إلى نعيمه الدائم، ولم يلتفتوا إلى ذلك مع وضوح الحجة، وإنما كان همهم أنه يدعوهم إلى خلاف هواهم!!.

ومن وجه آخر: ابتلى الله عز وجل نبيه - صلى الله عليه وسلم - بأن قبض أبويه صغيرًا، ثم جده، ثم عمه الذي كان يحامي عنه، ثم امرأته التي كانت تؤنسه، وتخفف عنه، ثم لم يزل البلاء يتعاهده - صلى الله عليه وسلم -.

وتفصيل ذلك يطول؛ وهذا وهو سيد ولد آدم، وأحبهم إلى الله عز وجل.

فتدبر هذا كله لتعلم حق العلم أن ما نتنافس فيه ونتهالك عليه

(1) الودك: هو دسم اللحم والشحم.

(2) قال المؤلف تعليقا: «من تدبر هذه الحال علم أنها من أعظم البراهين على صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - في دعوى النبوة؛ فإن العادة تحيل أن يقدم مثله في أخلاقه، وفيما عاش عليه أربعين سنة لما يعرضه لذاك الإيذاء، ثم يصبر عليه سنين كثيرة، وله عنه مندوحة.

ولهذا كان العارفون به من قومه لا ينسبونه إلى الكذب، وإنما يقولون: مسحور! مجنون! قال الله تعالى: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33] ».

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت