الخلق عبارة من هيئة للنفس راسخة، تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة عقلًا وشرعًا بسهولة سميت الهيئة: خلقًا حسنًا. وإن كانت الأفعال القبيحة، سميت الهيئة التي هي المصدر خلقًا سيئًا, وإنما قلنا: إنه هيئة راسخة؛ لأن من يصدر منه بذل المال على النذور بحالة عارضة لا يقال: خلقه السخاء، ما لم يثبت ذلك في نفسه. وكذلك من تكلف السكوت عند الغضب بجهد أو روية لا يقال: خلقه الحلم [1] . فالخلق الحسن هو تفاعل بين النية الحادثة في النفس وبين حركة الفعل بالجوارح.
أخي الكريم: واعلم - حفظك الله أننا في دار ابتلاء، وأن أعمالنا ستوزن يوم العرض على الله. فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره، فاجتهد في تحصيل الصالحات وجاهد نفسك في الإكثار من أعمال الخير والقربات، وتأكد أنها مهما عملت ومهما جاهدت, فإنك لن تجد شيئًا في أعمالك أثقل في الميزان يوم القيامة من خلق حسن يدل على ذا ما رواه أبو الدرداء - رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وأن الله يبغض الفاحش البذيء» [2] واعلم يا عبد الله أن الأخلاق الحميدة، وحسن معاملة الناس، هي الطريق الأقرب والأسهل نحو الجنة، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: «تقوى الله وحسن الخلق» وسئل
(1) انظر التعريفات للجرجاني ص 101.
(2) رواه الترمذي (2003) وقال: حديث حسن صحيح.