الصفحة 11 من 24

وعبد الله بن الشخير - رضي الله عنه - يقول: «أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي، فسمعت لصدره أزيزًا كأزيز المرجل [1] من البكاء [2] » .

وعلى بن أبي طالب - رضي الله عنه - يصف لنا حال الصحابة الأبرار - رضي الله عنهم - فيقول: «لقد رأيت أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فما رأيت شيئًا يشبههم، كانوا يصبحون شعثًا غبرًا صفرًا، بين أعينهم كأمثال ركب المعزى [3] قد باتوا لله سجدًا وقيامًا، يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا طلع الفجر ذكروا الله فمادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، وهطلت أعينهم بالدموع، والله لكأن القوم باتوا غافلين» [4] وما رئي - رضي الله عنه - بعد كلامه هذا باكيًا حتى لحق بربه.

سؤال:

إن قيل لم كان خوف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شديدًا مع علمه بأن الله تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأنه أقرب الخلق إلى الله تعالى. قيل: قد أجاب الإمام ابن القيم على هذا التساؤل في كتابه «طريق الهجرتين» [5] بأربعة أجوبة، هذا ملخصها: 1 - إن هذه الخوف على حسب القرب من الله تعالى والمنزلة عنده، وكلما كان العبد أقرب إلى الله تعالى كان خوفه منه أشد، لأنه يطالب بما لا يطالب به غيره، ويجب عليه من رعاية تلك المنزلة وحقوقها ما يجب على غيره. ونظير هذا في المشاهد أن المائل بين يدي أحد الملوك المشاهد له أشد خوفًا منه من البعيد عنه، بحسب قربه منه ومنزلته عنده ومعرفته به وبحقوقه، ومن تصور هذا حق تصوره فهم قوله - صلى الله عليه وسلم: «إني أعلمكم بالله وأشدكم له خشية» [6] وفهم قوله - صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى لو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته لهم خيرًا من أعمالهم» [7] ، فهذا دليل واضح على أن أعمال العباد لا توازي القليل من نعمه سبحانه عليهم. فتبقى نعمه الكثيرة لا مقابل لها من شكرهم، فلو عذبهم على ترك شكرهم وأداء حقه الذي ينبغي له سبحانه عذبهم ولم يكن ظالمًا لهم.

فإذا قال قائل: إن العباد إذا فعلوا مقدورهم من شكره وعبوديته لم يكن ما عداه مما ينبغي له سبحانه مقدورًا لهم، فكيف يحسن العذاب عليه؟

فالجواب على تلك يقال فيه:

-إن المقدور للعبد لا يأتي به كله، بل لابد من فتور وإعراض وغفلة وتوانٍ.

-كما أن قيامه بالعبودية لا يوفيها حقها الواجب لها من كمال المراقبة والإجلال والتعظيم .. فالتقصير لازم في حال الترك وفي حال الفعل، ولهذا سأل أبو بكر - رضي الله عنه - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعاءً يدعو به في

(1) المرجل: القدر.

(2) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والبيهقي.

(3) أي في جباهم النقط السود من خشانة الجلد في حال سجودهم في ظلام الليل.

(4) «حلية الأولياء» لأبي نعيم (1/ 76) .

(5) ص 285 وما بعدها.

(6) أخرجه البخاري ومسلم والدارمي وأحمد في المسند.

(7) رواه أبو داود وغيره من حديث زيد بن ثابت - رضي الله عنه -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت