الصفحة 65 من 183

بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) [البقرة: 21 - 22] ، قالَ - رحمه الله:

(( وهذه الآيةُ دالَّةٌ على تَوحيدِهِ تعالى بالعبادَةِ وَحَدَهُ لا شريكَ لَهُ وقد استدلَّ بِهِ كَثيرٌ من المفسِّرين كالرازي وغيرِهِ على وجودِ الصَّانِعِ تعالى وهي دالَّةٌ على ذلك بِطَريقِ الأَوْلى فإنَّ مَن تأمَّلَ هذه الموجوداتِ السُّفليَّةِ والعُلويَّةِ واختِلافِ أشكالها وألوانِها وَطِباعِها وَمَنافِعِها وَوَضْعِها في مَواضِعِ النَّفعِ بِها مُحكمة على قُدرَةِ خالِقِها وَحِكمتِهِ وَعِلمِهِ وإتقانِهِ وَعَظيمِ سُلطانِهِ، كَما قَالَ بعضُ الأعرابِ وَقُد سُئِلَ: ما الدليلُ على وُجودِ الربِّ تعالى؟ فَقال: يا سُبحانَ الله إنَّ البَعَرَ ليدلُّ على البعيرِ وإنَّ أثرَ الأقدامِ لَتَدُلُّ على المسيرِ فَسَماءٌ ذات أبراجٍ وأرضٌ ذاتُ فِجاجٍ وبِحارٌ ذاتُ أمواجٍ ألا يَدُلُّ ذلك على وُجُودِ اللَّطيفِ الخبيرِ ) ) [1] .

ثُمَّ قال بعدَ ذلك:

(( من تأمَّلَ هذه السمواتِ في ارتفاعِها واتِّساعِها وما فيها من الكواكبِ الكِبارِ والصِّغارِ النيِّرَةِ من السيَّارَةِ ومن الثَّوابِتِ وشاهَدَها كيفَ تَدورُ مَعَ الفَلَكِ العَظيمِ في كُلِّ يَومٍ وَليلةٍ دُوَيرَة ولها في أنفُسِها سَيْرٌ يَخُصُّها ونظَر إلى البِحارِ المُكتَنِفَةِ للأرضِ من كُلِّ جانِبٍ والجبالِ الموضوعَةِ في الأرضِ لِتقرَّ ويَسكُنَ ساكِنوها مَعَ اختلافِ أشكالِها وألوانِها كَما قَالَ تعالى {وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ(27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 27 - 28] ، وَكذلكَ هذهِ الأنهارُ السارِحةُ مِن قُطرٍ إلى قُطرٍ للمَنافِعِ وما ذَرأَ في الأرضِ مِن الحيواناتِ المتنوِّعةِ والنباتِ المختَلِفِ الطُّعومِ والأراييجِ والأشكالِ والألوانِ مَعَ اتِّحادِ طبيعَةِ التُّربَةِ والماءِ استدلَّ على وُجُودِ الصَّانِعِ وقُدرتِهِ العظيمَةِ وحكمتِهِ وَرَحمتِهِ بِخلقِهِ ولُطفِهِ بِهِم وإحسانِهِ إليهِم وَبِرِّهِ بِهِم لا إله

(1) تفسير ابن كثير 1/ 59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت