وأقرب مثال على هذا مسألة تكفير تارك الصلاة؛ حيث أخذت طائفة من أهل العلم بظاهر قول النبي صلى الله علية وسلم: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة) [6] ، وقوله: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) [7] ، ونحو ذلك من النصوص، فكفروا تارك الصلاة مطلقا، وعلى هذا جمهورهم، بل نقل ابن حزم في المحلى وابن القيم عنه في"كتاب الصلاة"؛ إجماع الصحابة على ذلك.
وجاءت طائفة أخرى من الفقهاء عند حديث؛ (خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن كان له عند الله عهدا أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن، فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له) [8] ، فلم يكفروا تارك الصلاة تكاسلا، وقالوا؛ ما دام داخلا في المشيئة فليس بمشرك ولا كافر.
فمثل هؤلاء لا يقال لهم - كما لم تقل لهم الطائفة الأولى -؛ لقد كفرتم لأن من لم يكفر الكافر فقد كفر، لأنهم لم يجحدوا كلام الله تعالى ولا ردوا أحاديث النبي صلى الله علية وسلم القاضية بتكفير تارك الصلاة، لكنهم أولوها على ضوء أحاديث أخرى، فقصدوا التوفيق بين أحاديث ظاهرها عندهم التعارض ... فحالهم أنهم قالوا بمقتضى نص من الشارع ولم يكذبوا أو يجحدوا نصوصه [9] ...
وكذلك من لم يكفر من ظهر منه فعل محتمل للتكفير لا قطعيا فيه، أو أنه قال قولا ليس صريحا في الكفر، وإنما يلزم منه الكفر، فلازم المذهب ليس بمذهب على الصحيح، والتكفير بالمآل محل خلاف بين العلماء، فعدم التكفير في مثل هذا ليس فيه رد أو جحد لكلام الله أو كلام الرسول صلى الله عليه وسلم كما هو مبين.
بخلاف ما لو سئل إنسان عمن يقول: إن الله ثالث ثلاثة؟ وهو يعلم أن الله تعالى يقول: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} ، ويقول: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} ، فقال: هو ليس بكافر، أو لا أكفره! فإنه يكفر بذلك، لأنه جحد ورد نصا قطعيا من كتاب الله تعالى.