قد علمت فيما تقدم أن أصل دين الإسلام هو قوله تعالى: {اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ، وأن عبادة الله تعالى وحده يلزم منها مولاة أوليائه الموحدين ومحبتهم ونصرتهم، وكذلك اجتناب الطاغوت؛ يلزم منه بغض أوليائه وأنصاره وأشياعه واجتنابهم وعدم مظاهرتهم أو تكثير سوادهم، حتى يؤمنوا بالله وحده، وعدم الجلوس معهم ما خاضوا في آيات الله، لقوله تعالى: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم} .
على هذا فإن مدح الخطيب الطاغوت على المنبر وأثنى عليه ودعا له بالنصرة والتأييد، فلا يحل الجلوس والاستماع إليه دون إنكار، فضلًا عن الصلاة والإقتداء به، بنص قوله تعالى: {فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم} ، وبمفهوم قوله تعالى: {واجتنبوا الطاغوت} ، فهذا يشمل اجتناب عبادته أو مدحه أو الثناء عليه أو موالاة أوليائه أو إتباع عبيده وأنصاره.
ومن دعا للطاغوت بالنصرة والتأييد ومدحه وأثنى عليه [36] فهذا من أنصاره وأوليائه، ولا يقال؛ مكره، لأنهم لا يكرهونه على الدعاء بكيفية معينة ولا يكرهونه على مدح الطاغوت، بل لو دعا مثلًا بأن قال: (وفقه الله لتحكيم كتابه، أو لكل خير) ، لأجازوه وتركوه [37] ، فإن دعا لهم بالنصرة وأثنى عليهم دون إكراه حقيقي - وقد قدمنا لك شروط الإكراه الحقيقي على قول كلمة الكفر - أقول؛ من فعل ذلك فليس من الله وهو من أوليائهم، لأن التولي؛ هو النصرة باللسان والسنان، وقد قال تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (المحاربة نوعان محاربة باليد ومحاربة باللسان ... ) ، إلى قوله: (وكذلك الإفساد قد يكون باليد وقد يكون باللسان، وما يفسده اللسان من الأديان أضعاف ما تفسده اليد) أهـ [الصارم المسلول: ص385] .