وفي حديث عدي بن حاتم الطائي الذي يصححه العلماء بمجموع طرقه، فيه ان عدي رضي الله عنه قال: (ما عبدناهم!) ، يعني الأحبار والرهبان، فقال له صلى الله عليه وسلم: (ألم يحلوا لكم الحرام ويحرموا عليكم الحلال فأطعتموهم؟) ، فقال: (بلى) ، قال: (فتلك عبادتكم إياهم) .
ففيه أنهم لم يعذروا في جهلهم باتخاذهم أربابا مع الله مشرعين يحللون ويحرمون لهم، وكونهم يجهلون أن الطاعة في التشريع عبادة لم ينفعهم ولم يعذروا به، لأن هذا من الشرك الأكبر المناقض لأصل الدين، والذي أقام الله فيه حجته البالغة من وجوه شتى كما تقدم، وكونهم لا يعلمون أو يجهلون أو غافلين أو ضالين، كل ذلك ليس بعذر لهم من الشرك الأكبر.
فقد ذكر الله تعالى عن الكفار أنهم يقولون عندما يشاهدون العذاب: {ربنا إنَّا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} ، فتأمل قولهم: {فأضلونا السبيلا} ، فإنهم قد أقاموا لهم الشبه الباطلة والتأويلات الفاسدة حتى سوغوا لهم الشرك وحسنوه لهم، فهل عذروا بذلك؟!
وقد وصف الله تعالى كثيرا من الكفار بأنهم؛ {يحسبون أنهم يحسنون صنعا} ، و {يحسبون أنهم مهتدون} ، و {يحسبون انهم على شيء} ، وكل ذلك لم ينفعهم لأنهم نقضوا أمرًا أقام الله عليه حججه البالغة المتنوعة، ولو كان خطؤهم وانحرافهم حصل في أمر غامض لا تكفي فيه حجة فطريه أونحوها؛ ما جاز تكفيرهم إلا بعد إقامة الحجة الرسالية عليهم.