فهذه الأحاديث فيها وعيد شديد لمن قتل نفسه، وأنه محرم من المحرمات، بل كبيرة من كبائر الذنوب، وظاهر بعضها ان قاتل نفسه خالد مخلد في نار جهنم، وبعضها صريح في تحريم الجنة، ومعلوم أن أهل السنة قد قيدوا هذه الإطلاقات في حق الموحدين على ضوء قوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ، وبما رواه مسلم عن جابر في حديث الطفيل بن عمرو الدوسي وصاحبه الذي قطع براجمة فمات، فغفر الله له بهجرته، وسيأتي.
وتأويل لفظ: (في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدا) في الحديث الأول، وقوله: (حرمت عليه الجنة) في الحديث الآخر؛ أن ذلك في حق من استحل ذلك، أو في حق من فعله قنوطًا من رحمة الله ويأسًا من روح الله واعتراضًا على قدر الله تعالى، فذلك كفر يخلد صاحبه في نار جهنم، {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} .
ومنه يظهر أن هناك فرق لا ينبغي أن يهمله من وزن بالحق وترك التطفيف، بين من قتل نفسه يأسا من رحمة الله أو اعتراضًا على قدر الله أو جزعًا من الجراح والأمراض ونحوها، وبين المسؤول عنهم الذين يفجرون أنفسهم بعبوات ناسفة لإحداث نكاية عظيمة في أعداء الله، وهذا فرق واضح ظاهر لنا، نعرفه ونعتبره.
فهؤلاء إن كانوا من الموحدين، ويقاتلون في سبيل الله، وتحت راية إسلامية، لا عمية ولا جاهلية، فمعاذ الله أن نحكم ببطلان أعمالهم، أو نساويهم بمن قتل نفسه يأسًا من رحمة الله أو جزعًا من الجراحات ونحوها فنقول بخلودهم في نار جهنم أو بتحريم الجنة عليهم [22] ، فإن رحمة الله بعباده الموحدين واسعة، وهو سبحانه أعدل الحاكمين، ولا يضيع عمل المحسنين، ولا يتر المؤمنين أعمالهم الصالحة الخالصة.