الصفحة 36 من 60

فقد روى مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه؛ أن الطفيل ابن عمر الدوسي هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومعه رجلًا من قومه، فاجتووا المدينة، فمرض فجزع فأخذ مشاقص له فقطع بها براجمه، فشخبت يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه، فرآه وهيئته حسنة، ورآه مغطيًا يديه، فقال له: (ما صنع بك ربك؟) ، فقال: (غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم) ، فقال: (مالي أراك مغطيًا يديك؟) ، قال: (قيل لي لن نصلح منك ما أفسدت) ، فقصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: (اللهم وليديه فاغفر) .

قال النووي رحمه الله: (في الحديث حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة؛ ان من قتل نفسه أو ارتكب معصية ومات بغير توبة، فليس بكافر ولا يقطع له بالنار، بل هو في حكم المشيئة) أهـ.

قال أبو محمد عفا الله عنه: ولا اشكال في هذا، مع الوعيد الشديد الوارد في الأحاديث المتقدمة، لأن الله سبحانه له أن يعفو عن عباده الموحدين المحسنين وأن لا ينفذ وعيده فيهم، وهذا من كرمه واحسانه ومحامده سبحانه، لكنه لا يخلف وعده لهم، ومعلوم الفرق بين إخلاف الوعد وإخلاف الوعيد.

لكن نستدرك فنقول: إن كون هؤلاء القائمين بهذه العمليات ليسوا كالمنتحرين يأسًا من الحياة أو اعتراضًا على قدر الله وجزعًا من الجراح، فهذا وحده لا يكفي لتسويغ مثل هذه العمليات بهذه الصورة، أو ليمنحها وجهًا شرعيًا، لأنها إن خرجت ولم تندرج تحت تلك النصوص الذامة المتوعدة لمن استعجل الموت لليأس أو لألم الجراح، فإنها لم تخرج من عموم النصوص الذامة المتوعدة لقتل النفس وعيدًا شديدًا، ومن ذلك الحديث المتقدم: (من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة) ، وهذا الحديث وامثاله مما تقدم هو كقوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا * ومن يفعل ذلك عدوانًا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت