الوجه الثالث: أن يقال أن فعل الغلام قد ترتب عليه مصلحة عظيمة، إذ آمن الناس جميعهم الذين حضروا تلك الواقعة بسبب فعلته، فإن سلمنا أولًا بأن فعله كان قتل نفسه بيده، وجوزنا ثانيًا القياس عليه والاستدلال به، فيجب تقييده عند من يزنون بالقسطاس المستقيم بمصلحة ضرورية عامة عظيمة كهذه، ولا يفتح الباب على مصراعيه ويجعل كما زعم المخالفون كأي وسيلة من وسائل القتال الأخرى ولا فرق، وقد ذكرنا لك من قبل أن القائلين بمسألة الترس قد قيدوها بأن تكون المصلحة ضرورية كلية قطعية.
الوجه الرابع: أننا لانسلم - كما أشرنا من قبل - أن الغلام قد قتل نفسه بيده، بل الذي قتله حقيقة هو الملك بيده.
فإن قالوا؛"قد دله على الطريق"! قلنا؛ ليس هذا محل نزاع، بل النزاع في أن يقتل المرء نفسه بيده، لا يقتل بيد عدوه، فإن شئتم أن تقيسوا على هذا الخبر أو تستدلوا به، فقفوا عند حدوده ولا تتعدوها ولا تطففوا، فقيسوا على صورته مثلًا بمثل، فجوزوا أن يدل المرء عدوه على الطريقة التي يقتله بها ليحقق بذلك مصلحة كلية قطعية ضرورية، لا أن يقتل نفسه بيده.
هذا إن جاز القياس عليها والاستدلال به في هذا الباب، وقد علمت من الوجوه المتقدمة أن دون ذلك خرط القتاد، هذا ما لزم استدراكه على هذه المسألة.
أسأل الله العلي القدير أن يُلهمنا رشدنا، وأن يسدد أقوالنا وأعمالنا.
والحمد لله أولًا وأخيرًا
[34] راجع صحيح مسلم؛ باب غزوة خيبر، قصة قتل عامر بن الأكوع نفسه، حيث كان سيفه قصيرًا فتناول ساق يهودي ليضربه فرجع ذباب سيفه فأصاب ركبته فمات منه ... وفي الحديث قول سلمة: (زعموا ان عامرًا حبط عمله) ، وفي رواية: (يقولون: بطل عمل عامر قتل نفسه) ، وفي رواية أخرى قال سلمة: (يارسول الله أن أناسًا ليهابون الصلاة عليه، يقولون؛ رجل مات بسلاحه) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كذب من قاله إن له لأجرين) .