الصفحة 6 من 60

وقد قال تعالى في وصف أهل هذه الدعوة: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين} .

فالمؤمن وإن كان هو الاعلى بإيمانه العزيز بإسلامه، لكنه متواضع بأخلاقه لا يعرف الكبر بل ينظر إلى المنحرفين نظرة المشفق عليهم الحريص على هدايتهم، والمشفق على نفسه أن يتخلى الله عنه فيصير مثلهم، متذكرًا قوله تعالى: {كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم} .

ورحم الله تعالى ابن القيم إذ يقول:

واجعل لقلبك مقلتين كلاهما من خشية الرحمن باكيتان

لو شاء ربك كنت أيضًا مثلهم فالقلب بين أصابع الرحمن

أقول إذا كان اكثر ما تقدم كان مع الكفار ورؤوسهم، فكيف بمن سواهم ممن هم داخل دائرة الاخوة الإيمانية، لا شك أن الرفق بهم والاحسان اليهم والصبر والخوف عليهم والحرص على هدايتهم إلى الحق أولى وأوجب.

لكن هاهنا تنبيه هام:

فيجب التفريق بين الحرص على هداية الكفار أو الفجار أو المنحرفين، أو تمني هدايتهم ودعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وبين محبتهم ومودتهم أو توليهم، فالكافر لا تجوز مودته أو محبته أو توليه، قل تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} ، وقال سبحانه: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حادَّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم ... } .

وكذلك العصاة من المسلمين إنما يحبون بقدر طاعتهم ويبغضون لمعاصيهم أو بدعهم ولا يخرجون من دائرة الموالاة الإيمانية، ولا يتبرأ منهم البتة لكن يتبرأ من معاصيهم، كما قال تعالى: {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين *فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون} ، بينما قوله في حق الكفار: {إنا برءاؤا منكم ... } .

ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أبرأ اليك مما صنع خالد) [1] ، ولم يقل؛ من خالد، فلا بد من معرفة هذا، وعدم الخلط فيه، فلا نخاطب ونعامل عصاة الموحدين بما نعامل به الكفار والمشركين، ولا يجوز العكس أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت