الصفحة 38 من 39

يتوقف وجود أية أمة في الحياة على حمل هذه الأمة لرسالتها ... فإذا ضعفت عن حمل هذه الرسالة، انتهى وجود الأمة وحل محلها أمة أخرى لا علاقة لها بها، وإن ربطتها بها روابط الدم والأرض واللغة والثقافة ...

وهذا هو ما فهمه عمر بن الخطاب رضي الله عنه من قول الله عز وجل: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} حيث قال في تفسيرها: لو شاء الله لقال: أنتم، فكنا كلنا ... ولكن قال: كنتم في خاصة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن صنع صنيعهم، كانوا خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

وإذن فالأمة الإسلامية إنما تتميز بقيامها برسالتها في الدعوة إلى المعروف وفعل الخير، والنهي عن المنكر وجميع الشرور ... فإذا تخلت عن شيء من هذه الرسالة نقصت قيمتها بقدر ذلك ... أمّا إذا تخلت عن هذه الرسالة بكاملها، فإن مصيرها هو الاختفاء من الوجود والحياة ...

ولا شك أن الأمة الإسلامية لا تسطيع حمل رسالتها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا إذا كانت تملك الرادع للعقل الغربي الذي لم يتخل بعد، وقد لا يتخلى عن حب العدوان واليسطرة، لاستعباد الآخرين، ونهب مقدراتهم، وإشاعة التخلف في حياتهم ...

ومن هنا يبرز الجهاد رادعًا للعقل الغربي ومضاعفاته في الفتنة والفساد ... يبرز الجهاد ليعكس مفهوم الأمن الإسلامي الذي يركّز على إيصال الرسالة وتبليغها إلى الآخرين في جو من الأمن الفكري والمادي والنفسي والشعوري يزيل العوائق التي تحول بين الناس وبين رؤية الحق على حقيقته، أو تمنع مَنْ تبينه من اتّباعه ...

إن العالم اليوم يعيش أزمات حادة، تحولت عبر الزمن إلى أمراض مزمنة في جسد البشرية ... وفشلت كل الجهود في استئصالها ... ولقد جاء دور الأمة الإسلامية التي تحمل الرسالة الربانية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... جاء دور الأمة الإسلامية التي تنادي البشرية إلى الخير، وتدعوها إلى الكف عن جميع الشرور، وتدفع عنها بـ"الجهاد فتنة"ما يسمى بـ"النظام العالمي الجديد"القائم على الطغيان، والذي يسعى المترفون في ظله إلى الانفراد بمصادر العيش وقتل أيتام المستضعفين بسلاح الجوع والفقر!

وحين تقوم الأمة الإسلامية بهذا الدور، وتخوض في سبيله الجهاد الشاق سيكون البقاء للأصلح، لا بالمعنى الدارويني الفاسد، وإنما بالمعنى الرباني: {فأمّا الزبد فيذهب جفاء وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} ، وسيُخْرِج الله بهذه الأمة من شاء الله من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ... وستعود الأمة الإسلامية مرة أخرى إلى الريادة البشرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت