فهرس الكتاب
يُقَسِّم المراقبون العالم اليوم إلى الشمال تعبيرًا عن العالم المتقدم ... والجنوب تعبيرًا عن العالم المتخلف ...
فأمّا الأول: فيتمثل في الدول المتقدمة، ويشمل محور اليابان ودول أوربا الغربية وأمريكا الشمالية وحلفائهم.
وأمّا الثاني: فيتمثل في بقية دول العالم التي تقع خارج هذه المحاور.
ولا شك أن السبب الأول للهوّة الحضارية بين الشمال والجنوب، أن دول الأول يتميز أفرادها بـ"الفاعلية"والحرص على الوقت، والتوجه بنشاطهم إلى العمل الجاد في سبيل تقدم أمتهم.
أمّا دول الثاني، فإن أفرادها يغلب عليهم انعدام الفاعلية والنظر إلى الوقت على أنه لا قيمة له، وتوجه نشاطهم إلى اللغو والحديث غير المنتج.
ولكي نوضح ما نقول فإنه من المستحسن أن نتأمل تجربة بلد مثل اليابان ... إن هذه الدولة تعيش في منطقة فقيرة في مواردها الخام ... كما أن وضعها الجغرافي لا يجعلها منطقة استراتيجية ... ولكنها مع ذلك تتقدم يومًا بعد يوم ويغزو إنتاجها العالم الغربي ... فما سر ذلك؟
إن السر يكمن في أن فاعلية الإنسان الياباني أضعاف أضعاف غيره من أفراد الأمم المختلفة الذين انعدمت فاعليتهم وتورات جهودهم ...
إن المتأمل للنماذج التنموية في الأمة الإسلامية يجد أن الأنظمة العلمانية تركز على عنصر رأس المال على أنه العنصر الوحيد القادر على تحقيق التقدم ...
ولذلك فهي تهمل بناء الإنسان لتنفق على بناء المصانع!
ولا شك أن هذه الطريقة في البناء الحضاري هي طريقة العملاء الذين يحبون أن تظهر أنظمة حكمهم بمظهر التقدم، فيقيمون المصانع العملاقة، ثم يستوردون كل معداتها من الدول المتقدمة ... ويستوردون معها كوادر العمل في هذه المصانع. فلا يكون لهذه المصانع والمشروعات التنموية - رغم الإنفاق الكبير فيها - أدنى أثر في التقدم الحضاري المادي ... وما ذلك إلا لأن الإنسان في كل هذه المشروعات يكون غائبًا، أو على أحسن الأحوال يكون حاضرًا ولكنه يعاني من اللافاعلية ...
إنه ليس من الضروري ولا من الممكن أن يكون لمجتمع فقير المليارات من الذهب كي ينهض ويسير في طريق البناء الحضاري ... وإنما ينهض ويبني حياته وحضارته بالرصيد الأساسي للحضارة الإنسان، وما التخلف الذي ترسف فيه الأمة الإسلامية إلا نتيجة لازمة لعجز الإنسان فيها عن المبادأة في أي ميدان.
إن حلبة الصراع الحضاري تفرض على الأمة الإسلامية إحياء فاعلية الإنسان المسلم، والتخلص من جميع ضروب العطالة التي توقف جهده وتبرر عجزه، ليبدأ من جديد في الاعتياد على احترام قيمة العمل والجهد، ويتعلم أسلوب التخطيط وتحريك ملكات الابتكار، واستخدام العلم في حل الألغام الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تملأ ساحة الأمة الإسلامية ... حل هذه الألغام بنزع فتيلها، وليس بـ"الارتماء عليها".
فإذا نشأ في الأمة هذا الإنسان، كانت حركتها كحركة خلايا النحل التي لا ينقطع طنينها بالليل ولا بالنهار ... وعندها سيقضي عدل الله برفع هذه الأمة التي تتعامل مع سنة الله وتعمر الأرض ... وخفض أمم أخرى قعد أفرادها وعجزوا وغرتهم الأماني ...