الصفحة 36 من 39

يضع الإسلام لقيادة الأمة الإسلامية شروطًا دقيقة وموصفات خاصة، وتؤكد الأصول الإسلامية أن أولي الأمر الذين قرن الله في قرآنه طاعتهم بطاعته وطاعة رسوله في قوله عز وجل: {يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} ... هم العلماء والأمراء، وليسوا الأمراء أو الحكام وحدهم ... بل إن أكثر المفسرين يرون أنهم العلماء وحدهم.

ولا شك أن هذا الاهتمام بأمر القيادة في الأمة الإسلامية، يرجع إلى أن الأمة التي يقودها ويتولى زمام أمورها فقهاء وألو الألباب تتقدم وتنتصر ... أمّا الأمة التي يقودها ويتولى زمام أمورها خطباء لا يحسنون إلا التلاعب بالمشاعر والعواطف ... فإنها تبقى تتلهى بـ"الأماني"حتى إذا جابهت الأزمات لم يفقه حكّامها من الخطباء ماذا يصنعون؟ ... وآل أمرهم إلى الفشل، وأحلوا أمتهم دار البوار.

وتكفي نظرة واحدة على واقع الأمة الإسلامية اليوم، لندرك أن في مقدمة الأسباب التي أدت إلى هذا الواقع أن قادتها وولاة أمورها من الخطباء الذين يظنون أن الأزمات يمكن حلّها بالأقوال، وأن التحديات يمكن مواجهتها بالخطب النارية! ولذلك فهم على قطيعة مع رجال الفقه والفكر، تصل أحيانًا إلى درجة تحطيم الرؤوس المفكرة واعتقال أصحاب الفقه ... بينما هم على صلة وثيقة وحميمة مع المنافقين من الإعلاميين والصحفيين الذين يُطْرِبونهم بحداء النفاق ليل نهار، ويطالبون الأمة أن تترك لهم مواجهة التحديات وعلاج الأزمات بـ"أقوالهم السديدة وخطبهم القوية"!

ومن هنا فإنه لا سبيل إلى الإحياء الحضاري للأمة الإسلامية إلا أن يوجد في الأمة فقهاء يتصفون بصفات المؤمنين ويتحركون على أساس من الوعي بقيم الوحي قرآنا وسنة مع الدراية بشؤون الواقع ...

فقهاء يتميزون بمنهجيتهم وموضوعيتهم وشجاعتهم في رؤية حقائق الواقع، ومواجهة تحديات العصر ...

فقهاء يسحون مأساة الأمة الإسلامية، فيسعون بإرادة عازمة للانتقال من حالة الحس بهذا المأساة إلى حالة الوعي بالأسباب التي أدت إليه، ثم يقومون بالعمل الجاد لاقتلاع جذور هذه المأساة من واقع الأمة، وقيادتها إلى خيري الدنيا والآخرة ...

ولكي يسطيع هؤلاء الفقهاء حمل رسالة أمتهم وتقديم العطاء الحضاري المنشود، لا بد أن يكون عملهم بـ"روح الفريق"ولا بد أن تربط بينهم شبكة من العلاقات العقائدية والاجتماعية خيوطها الإيمان والتكامل والتناصر والجهاد في سبيل الخروج بالأمة الإسلامية من التبعية إلى الريادة ومن الاستضعاف إلى التمكين ... فإذا كانوا كذلك، فإنهم يمثلون في الأمة نواة الخلية الحضارية التي يتكون منها ومن غيرها من الخلايا الجسم الحيّ للمجتمع الإسلامي والبناء الحضاري للأمة الإسلامية ...

إن نواة الفقهاء التي تتسم بالفعالية والحيوية، تجذب إليها صفوة الفكر والتجارب وخيرة القدرات والإمكانات ليتكون من هؤلاء جميعًا طليعة قوية قادرة على تحدي كل أعداء الأمة، ومواجهة جميع أزماتها، والسير في طريق الإحياء الحضاري بصبر ودأب، حتى يأذن الله بالانبعاث الإسلامي المنشود ...

وإذن فإن قيادة الطليعة المؤمنة للأمة الإسلامية هو في حقيقته أمر تشترطه أسس التغيير، وتستدعيه متطلبات التمكين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت