وعلى هذا فكأن الحافظ رحمه الله يعترض على إطلاق تسمية التعذيب على ما يقع على غير فاعلي المنكر؛ لأن هؤلاء الساكتين قد يكونون غير قادرين على التغيير، وهذا الإطلاق يوهم أن هذا العذاب الدنيوي عقوبة لهم وهو في الحقيقة ليس كذلك، وإنما هو تنفيذ لسنة إلهية قاضية بخراب المجتمعات إذا فشى فيها الظلم وشاعت المنكرات، ولذا كان من مقتضى العدل أن يُعوض هؤلاء عما لحقهم بسبب ذنوب غيرهم فتكفر ذنوبهم أوتُرفع درجتهم والله أعلم.
أما من داهن مع القدرة فهو مع وقوع العذاب عليه في الدنيا مستحق للعقوبة أيضًا في الآخرة، وليس لقائل أن يقول: كيف يعاقب هؤلاء المداهنون عن ذنب لم يقترفوه ومنكر لم يفعلوه؛ لأنا لا نقول إنهم يستحقون العقوبة على فعل المنكر بل على المداهنة فيه وعدم القيام بما أوجب الله من الأمر والنهي.
2 -ومما يتعلق بحديثنا قضية اعتذار أرباب البدع والمعاصي بحسن نياتهم، وأن نبل المقصد كافٍ في قبول العمل والحكم عليه بالصحة، ففي هذا الحديث أن أهل السفل قالوا: (لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا) ، والحديث يوضح أنه مهما تعلل أولئك القوم بأن مقصدهم من خرق السفينة هو دفع الأذى عمن فوقهم فإن ذلك ليس مصحِحًا لعملهم، ولا مانعًا من اعتباره منكرًا يجب تغييره.
والله عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا صوابًا، كما بين ذلك الفضيل بن عياض في معنى قوله تعالى: {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا} (الملك:2) ،وقال رحمه الله: (( فالخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة، ثم قرأ قوله: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا} ... ) ) [1] .
ذلك أن العمل لا يكون حسنًا حتى تكون نية صاحبه خالصة لله عز وجل، ويكون مع ذلك موافقًا للشريعة الغراء، ومتى فقد أحد هذين الشرطين فهو باطل مردود، (( فالعمل المتفق ظاهره مع الشرع إذا كان صاحبه مرائيًا أو منافقًا يحبط أجره، والقصد الصالح إذا لم يجر في طريقه الذي رسمه الدين فلا قيمة له ولا يلتفت إليه ) ) [2] .
ولقد فهم صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا المعنى حق الفهم فلم تنطلِ عليهم تلك الاعتذارات التي يتعلل بها أمثال أولئك القوم مستجيزين بها فعل البدع والمنكرات.
(1) انظر إعلام الموقعين لابن القيم (2/ 169 - 170) .
(2) عقيدة المسلم للشيخ محمد الغزالي ص: 72.