الصفحة 25 من 66

مما يتعلق بأمور الاعتقاد في هذا الحديث ما يأتي:

1 -في الحديث استحقاق العقوبة في الآخرة بترك تغيير المنكر مع القدرة: لأن الهلاك المشار إليه في الحديث عام يشمل الهلاك في الدنيا والخسران في الآخرة.

قال الكرماني: (( وفيه تعذيب العامة بذنوب الخاصة واستحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) ) [1] ،ونقل ابن حجر عن المهلب وغيره القول بتعذيب العامة بذنب الخاصة، غير أنه قال: (( وفيه نظر لأن التعذيب المذكور إذا وقع في الدنيا على من لا يستحقه فإنه يكفر من ذنوب من وقع به أو يرفع من درجته ) ) [2] .

قلت: قد دل هذا الحديث وغيره على أن المنكر إن شاع ولم يغير فإن الهلاك والخسران في الدنيا يعم الجميع، من فعل المنكر ومن سكت عنه.

أما شأنهم في الآخرة فلابد من التفريق بين حالتين:

الأولى: حال من سكت عن المنكر لضعفه وقلة حيلته، فهذا يبعث على نيته، وهو الذي أشار الحافظ إلى أنه يُكفر عنه من ذنوبه أو يُرفع من درجته بسبب هذا لذي وقع عليه بلا جريرة منه، ومن الأدلة على ذلك حديث عائشة قالت: (عبث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في منامه، فقلنا يا رسول الله: صنعت شيئًا في منامك لم تكن تفعله. فقال: العجب إن ناسًا من أمتي يؤمون بالبيت برجل من قريش، قد لجأ بالبيت، حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم. فقلنا: يا رسول الله إن الطريق قد يجمع الناس. قال: نعم؛ فيهم المستبصر والمجبور وابن السبيل، يهلكون مهلكًا واحدًا ويصدرون مصادر شتى يبعثهم الله على نياتهم) [3] .

وعن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده. فقلت: يا رسول الله أما فيهم أناس صالحون؟ قال بلى. قلت: فكيف يصنع أولئك؟ قال: يصيبهم ما أصاب الناس ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان) [4] .

والثانية: حال من سكت عن تغيير المنكر مداهنة لأهله وهو قادر على التغيير، وهذا قد ارتكب إثمًا بتقاعسه ومداهنته، فهو شريك في الإثم، ولذا فهو مستحق للعقوبة في الآخرة،،وما يقع عليه في الدنيا والآخرة من العقاب إنما هو جزاء وفاق لمعصيته وعدم قيامه بواجب ألزمه الشارع به.

فقد استحق بنو إسرائيل اللعن لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واللعن يقتضي استحقاق العقوبة في الآخرة، فدل ذلك على أن المداهن مع القدرة مستحق للعقوبة كفاعل المنكر.

ويدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذًا مثلهم ... } (النساء:140)

فقد سوت هذه الآية في الحكم بين فاعل المنكر والساكت عنه إذا كان قادرًا على التغيير، قال القرطبي: (( فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر، لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم والرضا بالكفر كفر قال الله عز وجل: {إنكم إذن مثلهم} ، فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء ) ) [5] .

(1) شرح الكرماني (11/ 59) .

(2) فتح الباري (5/ 296) .

(3) أخرجه مسلم (2884) .

(4) أخرجه أحمد (6/ 294،304) والطبراني في الكبير (23/ 325،377) .قال الهيثمي في المجمع (7/ 268) : (( رواه أحمد بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح ) ).

(5) تفسير القرطبي (5/ 418) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت