معلوم أن القياس عند الأصوليين هو إلحاق فرع غير منصوص على حكمه بأصل منصوص على حكمه لاشتراكهما في علة الحكم، وهو من أدلة الأحكام الشرعية عند جمهور أهل العلم وخالف في حجيته الظاهرية الذين نفوا تعليل النصوص وجمدوا على ظواهرها.
ولا شك أن قول الجمهور هو الصواب، وعليه تضافرت الأدلة النقلية والعقلية.
والحديث الذي نحن بصدده من جملة ما يحتج به لمذهب الجمهور.
وذلك أن الله عز وجل قد ضرب الأمثال في كتابه الكريم، (( وكلها أقيسة عقلية ينبه بها عباده على أن حكم الشيء حكم مثله؛ فإن الأمثال كلها قياسات يعلم منها حكم الممثَّل من الممثَّل به، وقد اشتمل القرآن على بضعة وأربعين مثلًا تتضمن تشبيه الشيء بنظيره والتسوية بينهما في الحكم ) ) [1] .
وكذلك الأمر في السنة النبوية المطهرة، فقد قرب النبي - صلى الله عليه وسلم - الأحكام لأمته بذكر نظائرها وأشباهها وضرب الأمثلة لها، ومن ذلك أنه لما قال له عمر: صنعت اليوم يا رسول الله أمرًا عظيمًا، قبلت وأنا صائم. قال له: (أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟ فقال عمر: لا بأس بذلك. قال: ففيم) [2] .
قال الخطابي: (( في هذا إثبات القياس والجمع بين الشيئين في الحكم الواحد لاجتماعهما في الشبه ) ) [3] .
فلولا أن حكم المثل حكم مثله لم يكن لذكر هذا التشبيه معنى، فإنه - صلى الله عليه وسلم - قد ذكر هذا التشبيه ليدل على أن حكم الشيء حكم نظيره، وأن نسبة القبلة التي هي وسيلة للوطء كنسبة وضع الماء في الفم الذي هو وسيلة إلى شربه فكما أن هذا الأمر لا يضر، فكذلك الآخر [4] .
والنفوس لما كانت مفطورة على التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين، فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد ضرب في هذا الحديث وأمثاله الأمثلة ليتبين بها الحق ويُعرف حكم الشرع، ولذا فقد بوب البخاري في كتاب الاعتصام من صحيحه: باب من شبه أصلًا معلومًا بأصل مبين قد بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حكمهما ليفهم السائل، ثم ذكر فيه حديث أبي هريرة: (أن أعرابيًا أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، وإني أنكرته، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: فما ألوانها؟ قال: حمر. قال: هل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لوُرْقًا. قال فأنى تُرى ذلك جاءها؟ قال: يا رسول الله عرق نزعها. قال: ولعل هذا عرق نزعه، ولم يرخص له في الانتفاء منه) [5] .
وقد ذكر ابن القيم أن هذا الذي ترجمه البخاري هو فصل النزاع في القياس، لا كما يقوله المفرِّطون فيه الذين ينفون القياس بالكلية، ويجوزون ورود الشريعة بالفرق بين المتساويين والجمع بين المختلفين، ولا كما يقول المفْرطون في القياس الذين توسعوا فيه حتى جمعوا بين الشيئين اللذين فرق الله بينهما بأدنى جامع في شبه أو طرد [6] .
وقال النووي في شرح حديث أبي هريرة: (( وفيه إثبات القياس والاعتبار بالأشباه ) ) [7] .
(1) إعلام الموقعين لابن القيم (1/ 177) .
(2) أخرجه أحمد (1/ 21،52) وأبو داود (2385) والدارمي (1724) والبيهقي (4/ 218،261) وابن حبان (8/ 313 - إحسان) والحاكم (1/ 431) وصححه، وابن خزيمة (3/ 245) من حديث عمر بن الخطاب، والحديث صححه أحمد شاكر في شرح المسند (1/ 83) والألباني في صحيح أبي داود (2089) .
(3) معالم السنن المطبوع بهامش سنن أبي داود (2/ 780) .
(4) انظر إعلام الموقعين (1/ 257) .
(5) أخرجه البخاري (5305) ، (7314) ومسلم (1500) وأبو داود (2260) والترمذي (2128) والنسائي (6/ 178 - 179) وابن ماجه (2002) .
(6) انظر إعلام الموقعين (1/ 259) .
(7) شرح صحيح مسلم (5/ 392) .