الصفحة 55 من 66

ليست فكرة التجمع والعيش في جماعاتٍ خاصةً ببني الإنسان، بل يشاركهم فيها الحيوان والطير وغير ذلك مما خلق الله؛ إذ الكل أمم أمثالنا كما قال تعالى: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون} . (الأنعام:38) .

ولما كانت تلك المخلوقات أممًا أمثالنا فإن الباحث المتأمل سيجد في سلوك بعض تلك المخلوقات في مجتمعاتها ما يشبه أحوال بني آدم في مجتمعاتهم.

ومما يتعلق بالحديث الذي بين أيدينا أننا نرى بعض أمم الحيوان تمارس فيما بينها نوعًا من الرقابة الاجتماعية التي تستهدف تطهير المجتمع من العابثين أصحاب الخلق الرديء وقد تعرف بفطرتها العواقب الوخيمة لعدم طاعة الله واتباع أمره.

1 -ومن ذلك ما قصه علينا التابعي الجليل عمرو بن ميمون الأودي حيث قال: (( رأيت في الجاهلية قِرْدة اجتمع عليها قِرَدة قد زنت فرجموهما فرجمتها معهم ) ) [1] .

(( فهؤلاء القرود أقاموا حد الله حين عطله بنو آدم ) ) [2] .

قال ابن حجر: (( وقد ساق الإسماعيلي هذه القصة من وجه آخر مطولة من طريق عيسى بن حطان عن عمرو بن ميمون قال: كنت في اليمن في غنم لأهلي وأنا على شرف، فجاء قرد مع قردة فتوسد يدها، فجاء قرد أصغر منه فغمزها، فسلَّت يدها من تحت رأس القرد الأول سلًا رفيقًا وتبعته، فوقع عليها وأنا أنظر ثم رجعت فجعلت تدخل يدها تحت خد الأول برفق فاستيقظ فزعًا فشمها فصاح فاجتمعت القرود، فجعل يصيح ويوميء إليها، فذهب القرود يمنة ويسرة، فجاؤوا بذلك القرد أعرفه، فحفروا لهما حفرة فرجموهما فلقد رأيت الرجم في غير بني آدم ) ) [3] .

ثم ذكر الحافظ تضعيف القول باحتمال أن يكون هؤلاء القردة من نسل الذين مسخوا فبقي فيهم هذا الحكم؛ وذلك لما ثبت من أن الممسوخ لا ينسل، ثم قال: (( يحتمل أن يكون الذين مسخوا لما صاروا على هيئة القردة مع بقاء أفهامهم عاشرتهم القردة الأصلية للمشابهة في الشكل فتلقوا عنهم بعض ما شاهدوه من أفعالهم فحفظوها وصارت فيهم، واختص القرد بذلك لما فيه من الفطنة الزائدة على غيره من الحيوان وقابلية التعليم لكل صناعة مما ليس لأكثر الحيوان ... وفيه من شدة الغيرة ما يوازي الآدمي ولا يتعدى أحدهم إلى غير زوجته، فلا يدع في الغالب أن يحملها ما ركب فيها من الغيرة على عقوبة من اعتدى إلى ما لم يختص به من الأنثى ) ) [4] .

قلت: احتمال تعلُّم القردة هذا الأمر من الممسوخين احتمال بعيد؛ فإن هؤلاء الممسوخين إنما مسخوا لما ارتكبوه من المعاصي والمنكرات، فيبعد أن يحتفظوا بعد مسخهم بما لم يكونوا محافظين عليه قبل المسخ، والأقرب والله أعلم أن يُرجع ذلك إلى هذا ما فطرت عليه القردة من شدة الغيرة وأنه لا يتعدى أحدهم إلى غير زوجته، أو أن يكون ذلك أمرًا من عند الله أراد به أن يعلم البشر أهمية إقامة الحدود فيجعل العبرة في الحيوان الأعجم والله تعالى أعلى وأعلم.

2 -وعن أمة النحل يحدثنا الإمام ابن القيم أن فيها كرامًا عمالًا لها سعي وهمة واجتهاد، وأن فيها لئامًا كسالى قليلة النفع مؤثرة للبطالة، وأن الكرام تعمل دائما على تطهير الخلية من أولئك الكسالى فتردهن وتنفيهن عن الخلية خشية أن تعدي كرامَها وتفسدها [5] .

(1) أخرجه البخاري في الصحيح (3849) وفي التاريخ الكبير (3/ 2/367) ، وأخرجه ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (ص: 255) .

(2) شفاء العليل لابن القيم (1/ 199) .

(3) فتح الباري (7/ 160) .

(4) المصدر السابق: نفس الموضع.

(5) شفاء العليل (1/ 187 - 188) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت