الصفحة 56 من 66

بل إن النحل تكلف من بينها من يقوم بمهمة المراقبة الدائمة لأفراد الخلية خشية أن يقع من إحداهن ما يُستقبح من السلوك، وذلك أنها تُوقف على باب الخلية بوابًا منها له أعوان (( فكل نحلة تريد الدخول يشمها البواب ويتفقدها، فإن وجد منها رائحة منكرة أو رأى بها لطخة من قذر منعها من الدخول وعزلها ناحية إلى أن يدخل الجميع، فيرجع إلى المعزولات الممنوعات من الدخول فيتفقدهن ويكشف أحوالهن مرة ثانية، فمن وجده قد وقع على شيء منتن أو نجس قده نصفين، ومن كانت جنايته خفيفة تركه خارج الخلية، هذا دأب البواب كل عشية ... ) ) [1] .

(( ومن عجيب أمرها أنها تقتل الملوك الظلمة المفسدة ولا تدين لطاعتها ) ) [2] .

(( ومن عجيب أمرها أن فيها أميرين لا يجتمعان في بيت واحد ولا يتأمران على جمع واحد، بل إذا اجتمع منها جندان وأميران قتلوا أحد الأميرين وقطعوه واتفقوا على الأمير الواحد من غير معاداة بينهم ولا أذى من بعضهم لبعض، بل يصيرون يدًا واحدة وجندًا واحدة ) ) [3] .

3 -وأما أمة النمل فإنها تستقبح الكذب وتعاقب الكذابين، وقد يصل العقاب إلى حد قتلهم تطهيرًا للمجتمع من شرورهم، فقد ذكر الإمام ابن القيم عن بعض العارفين أنه قال: (( رأيت نملة جاءت إلى شق جرادة فزاولته فلم تطق حمله من الأرض، فذهبت غير بعيد ثم جاءت معها بجماعة من النمل قال: فرفعت ذلك الشق من الأرض، فلما وصلت النملة برفقتها إلى مكانه دارت حوله ودرن معها فلم يجدن شيئًا فرجعن فوضعنه، ثم جاءت فصادفته فزاولته فلم تطق رفعه فذهبت غير بعيد ثم جاءت بهن فرفعنه فدرن حول مكانه فلم يجدن شيئًا فذهبن فوضعنه، فعادت فجاءت بهن فرفعنه فدرن حول المكان فلما لم يجدن شيئًا تحلقن حلقة وجعلن تلك النملة في وسطها ثم تحاملن عليها فقطعنها عضوًا عضوًا وأنا أنظر ) ) [4] ، وقد ذكر ابن القيم أنه حكى هذه الحكاية لشيخ الإسلام ابن تيمية فقال له: (( هذه النمل فطرها الله سبحانه على قبح الكذب وعقوبة الكذاب ) ) [5] .

4 -وفي عالم الحيوان والطير ما يأسى لحال الضالين من بني آدم وينكر عبادتهم لغير الله، كالذي قصه الله علينا من نبأ الهدهد لما رأى بلقيس وقومها يعبدون غير الله فرجع يقول لسليمان - عليه السلام: {وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون، ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون، الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم} . (النمل:24 - 26) .

قال الحافظ ابن كثير: (( ولما كان الهدهد داعيًا إلى الخير وعبادة الله وحده والسجود له نُهي عن قتله كما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال:(نهى النبي - عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصُّرَد) [6] وإسناده صحيح )) [7] .

(1) المصدر السابق (1/ 186) .

(2) المصدر السابق (1/ 187) .

(3) مفتاح دار السعادة (1/ 248 - 249) .

(4) المصدر السابق (1/ 243) .

(5) شفاء العليل (1/ 190) .

(6) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (1/ 332،347) ،وأبو داود (5267) وابن ماجه (3224) والدارمي (1999) وعبد الرزاق (8415) والبيهقي (9/ 317) ،وابن حبان (5646 - إحسان) ، لكنه من حديث ابن عباس لا أبي هريرة، وهو حديث صحيح [انظر إرواء الغليل للألباني (2490) ] ،أما حديث أبي هريرة فهو عند ابن ماجه (3223) بلفظ (الضفدع) مكان (النحلة) وفي سنده إبراهيم بن الفضل المخزومي قال الحافظ: متروك (التقريب 1/ 41) .

(12) تفسير القرآن العظيم (3/ 362) .

(7) فتح الباري (7/ 161) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت