الصفحة 29 من 66

مما يثيره هذا الحديث من قضايا فقه الدعوة ما يلي:

أولًا: الأهمية الدعوية لضرب الأمثلة

يستفاد من الحديث أهمية ضرب المثل وأنه وسيلة مهمة وأسلوب حكيم من أساليب الدعوة إلى الله، وذلك أن النفوس البشرية مفطورة على أن تأنس بالقول إذا جاء في صورة تشبيهية تمثيلية، ولذلك لم تخلُ ثقافة أمةٍ من الأمثلة والتشبيهات، (( والناس من قديم الزمان يجدون في طبائعهم الميل إلى الاستشهاد بالمثل فقد يكون أحدهم بصدد حال يحكيها أو يسمعها فيحضره مثل يشابهها في المعنى فيستشهد به، لا لأن الكلام يزيد به صدقًا بل لأن النفس تستأنس بالمثل ويلتمع في جوانبها ضوء من وضوحه وحكمته ) ) [1] .

ومن الأهداف الدعوية التي يمكن أن يحققها المثل ما يأتي:

1 -تقريب المعنى للسامعين: وذلك لأن (( ضرب المثل إنما هو تشبيه حالة بأقرب الأمور شبهًا بها وأكثرها مماثلة لها، وذلك يُحدث في الذهن حركة التفات سريعة ينتقل فيها الفكر من المعنى المجرد إلى صورة المثل المضروب، فيلمس ما بينهما من التشابه أو التطابق فعند ذاك يستريح العقل إلى المعنى المقصود فيعيه ويفهمه حق الفهم ) ) [2] .

فأنس النفوس موقوف كما يقول الجرجاني: (( على أن تخرجها من خفي إلى جلي، وتأتيها بتصريح بعد مكني، وأن تردها في الشيء تعلمها إياه إلى شيء آخر هي بشأنه أعلم، وثقتها به في المعرفة أحكم، نحو أن تنقلها عن العقل إلى الإحساس، وعما يعلم بالفكر إلى ما يعلم بالاضطرار والطبع؛ لأن العلم المستفاد من طرق الحواس أو المركوز فيها من جهة الطبع، وعلى حد الضرورة يفضل المستفاد من جهة النظر والفكر في القوة والاستحكام، وبلوغ الثقة فيه غاية التمام، كما قالوا:(ليس الخبر كالمعاينة ولا الظن كاليقين) ،فلهذا يحصل بهذا العلم هذا الأنس أعني الأنس من جهة الاستحكام والقوة، وضرب آخر من الأنس وهو ما يوجبه تقدم الألف كما قيل: ما القلب إلا للحبيب الأول )). [أسرار البلاغة ص: 106]

ولعلك تلمس هذا الأثر بالتأمل في تشبيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولادة ولد أسود لأبوين غير أسودين بولادة جمل أورق بين إبل حمر [3] ، فالمعنى الذي يريد الرسول - صلى الله عليه وسلم - إيصاله للأعرابي هو أنه لا داعي للقلق وأن هذا الذي جاء يستنكره أمر يقع كثيرًا في هذه الحياة، ولكن هذا المعنى ما كان ليتضح في ذهن السائل بنفس هذه السهولة لو أنه ألقي مجردًا عن الصورة التشبيهية التي غُلف بها المعنى في هذا الحديث الشريف.

2 -الإقناع وإقامة الحجة

يعد المثل من أهم وسائل الإقناع وإقامة الحجة؛ وذلك لما فيه من الأقيسة العقلية وترتيبه النتائج على المقدمات، ولذلك نجد القرآن الكريم كثيرًا ما يتخذ من المثل وسيلة للتقرير وإقامة الحجة على المخالفين.

ومن ذلك قوله تعالى: {ضرب الله مثلًا رجلًا فيه شركاء متشاكسون ورجلًا سلمًا لرجل هل يستويان مثلًا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} (الزمر: 29) ،فهذا مثل ضربه الله للمسلم الموحد والمشرك، فمثل المؤمن كمثل عبدٍ لرجل واحد فهو سالم له، ومثل المشرك كمثل عبد يملكه شركاء متشاكسون فهم يتنازعون أمر هذا العبد المشترك، فكما أنه لا يستوي حال هذين العبدين فكذا لا يستوي حال المؤمن والمشرك، قال ابن كثير: (( ولما كان هذا المثل ظاهرا بينًا جليًا قال: {الحمد لله} أي على إقامة الحجة ... عليهم ) ) [4] .

ولقد اتفق العقلاء على أن إبراز المعاني في صورة تمثيلية من أنجح الوسائل في الإقناع بالرأي والفكرة.

وها نحن نرى التأثير الرهيب لما تقدمه أجهزة الإعلام المعاصرة من أفلام خليعة ومسلسلات هابطة، يخدعون الناس من خلالها ببهتان من القول وزور.

(1) تذكرة الدعاة للبهي الخولي ص: 66.

(2) المصدر السابق ص:67 - 68 بتصرف.

(3) سبق تخريجه ص: 48.

(4) تفسير ابن كثير (4/ 53) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت