مما لا شك فيه أن الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - هو المربي الأعظم والمعلم الأكبر لأمة الإسلام بل للبشرية جمعاء؛ قال تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} (الجمعة:2) .
وفي الصحيح: (إن الله لم يبعثني معنِّتًا ولا متعنِّتًا ولكن بعثني معلمًا ميسرًا) [1] .
وفيه أيضًا عن معاوية بن الحكم السلمي قال: (بينا أنا أصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ عطس رجل من القوم فقلت يرحمك الله. فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثُكل أمياه ما شأنكم؟ تنظرون إلي. فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبأبي هو وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني ... ) [2] .
والحق أن البشرية على مدار تاريخها الطويل لم تشهد معلمًا كرسول الله - صلى الله عليه وسلم -،فهو الذي فتحت رسالته للبشرية طريق العلم والمعرفة وأحيت دعوته موات النفوس.
أخوك عيسى دعا ميتًا فاستجاب له ... وأنت أحييت أجيالًا من العدم
وإن (( من تأمل حسن رعايته للعرب مع قسوة طباعهم، وشدة خشونتهم، وتنافر أمزجتهم، وكيف ساسهم واحتمل جفاءهم، وصبر على أذاهم، إلى أن انقادوا إليه والتفوا حوله، وقاتلوا أمامه ودونه أعز الناس عندهم: آباءهم وأقاربهم وعشيرتهم، وآثروه على أنفسهم، وهجروا في طاعته ورضاه أحباءهم وأوطانهم وعشيرتهم وإخوانهم، وكان كل ذلك -وأعظم منه- منهم له - صلى الله عليه وسلم - وهو لم يمارس الكتابة والقراءة، ولا طالع كتب الماضين، ولا أخبار المربين السالفين، من تأمل هذا تحقق له بنظر العقل أنه - صلى الله عليه وسلم - هو المعلم الأول والنبي المرسل وأنه سيد العالمين صلوات الله وسلامه عليه ) ) [3] .
ولقد تعددت وسائل التربية عنده - صلى الله عليه وسلم -،فكان تارة يربي بالحوار وتارة بالقصة وتارة بالقدوة وتارة باستغلال الحدث وغير ذلك مما يصعب حصره.
وفي الحديث الذي بين أيدينا يستخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - أسلوب التشبيه وضرب المثل، وهو أسلوب من أنجح الوسائل التربوية؛ فإن في ضرب المثل تقريبًا للمعنى المقصود إلى الأذهان، كما أن فيه شحذًا لذهن المتلقي واسترضاء لذكائه ودفعًا له إلى التأمل والتفكير، وكل ذلك مما ييسر العملية التربوية ويعين في تحقيق الأهداف المرجوة منها.
وفي حديثنا عما في هذا الحديث من الأمور التربوية نركز على نقطتين اثنتين:
الأولى: في بيان الأهداف التربوية العامة التي يحققها ضرب المثل مع تطبيق ذلك كلما أمكن على حديثنا، والثانية: في بيان الأهداف التربوية الخاصة التي يمكن أن يحققها تدريس هذا الحديث الشريف.
أولًا: الأهداف التربوية العامة لضرب المثل
من الأهداف التربوية العامة التي ترجى من ضرب المثل [4] :
(1) أخرجه مسلم (1478) من حديث عائشة.
(2) أخرجه مسلم (537) وأبو داود (930) والنسائي (3/ 14 - 17) .
(3) الرسول المعلم وأساليبه في التربية لعبد الفتاح أبي غدة ص: 10 - 11.
(4) استعنت في تحديد هذه الأهداف بما جاء في كتاب أصول التربية الإسلامية لعبد الرحمن النحلاوي ص: 249 - 253.