الصفحة 30 من 66

على أن فكرة التمثيل قد غزت في عصرنا كثيرًا من مناحي الحياة، حتى إن أصحاب التجارات يلجؤون إليها لإقناع الناس بشراء بضائعهم وذلك فيما يبثونه من ألوان الدعاية والإعلان، بل قد يلجأ إلي التمثيل كثير من الباحثين لتوصيل نتيجة بحثهم إلى الجمهور.

يقول دايل كارنيجي: (( قام ريتشارد بوردن وآلفن بوس من جامعة نيويورك بتحليل ألف وخمسمئة مقابلة تدور حول عمليات البيع، ووضعا كتابًا عنوانه(كيف تكسب الجدل) ،بعد ذلك طرحا المباديء ذاتها في محاضرة بعنوان (مباديء البيع الستة) ،تم عرضها في السينما أمام مئات الشركات الضخمة، وهما لم يشرحا فقط المباديء التي كشفتها أبحاثهما، بل قاما بتمثيلها أيضًا فقاما بمعارك كلامية أمام المشاهدين وعرضا الطرق الصحيحة والخاطئة في عمليات البيع، هذا هو عصر التمثيل؛ إذ أن ذكر الحقيقة مجردة لا يكفي، والحقيقة يجب أن تأتي سريعة مثيرة، وعليك أن تتقن فن العرض مثلما تتقنه السينما والإذاعة لكي تستحوذ على انتباه الناس )) [1] .

ولسنا نريد للداعية أن ينساق وراء ما لا يقره الشرع من مبتدعات العصر، لكنا نريد فقط أن ننبه الدعاة إلى مثل ما أشار إليه كارنيجي من أهمية إتقان فن العرض، وتقديم المعاني في صورة مقبولة شرعًا، مقنعة عقلًا والله المستعان.

3 -الإمتاع ودفع الملل

فالمثل بما فيه من مسحة جمالية يمتع نفوس السامعين ويدفع عنها السآمة والملل، ولا شك أن ذلك أدعى إلى قبول ما يلقيه الداعية والتأثر به؛ فالنفس البشرية مفطورة على حب الجمال والميل إليه، والمثل (( يمتاز بخلابته ورشاقة موقعه في النفس وطرافته التي تتجدد ولا تبلى مما ترى أثره يبرق في وجوه السامعين ونظراتهم وثغورهم ... قال ابن المقفع: إذا جعل الكلام مثلًا كان أوضح للمنطق وآنق للسمع وأوسع لشعوب الحديث، وقال إبراهيم النظام: يجتمع في المثل أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام: إيجاز اللفظ وإصابة المعنى وحسن التشبيه وجودة الكناية ) ) [2] .

وقال عبد القاهر الجرجاني: (( واعلم أن مما اتفق العقلاء عليه أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني أو برزت هي باختصار في معرضه ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته كساها أبهة، وكسبها منقبة، ورفع من أقدارها، وشب من نارها، وضاعف قواها في تحريك النفوس لها، ودعا القلوب إليها، واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابة وكلفًا، وقسر الطباع على أن تعطيها محبة وشغفًا، فإن كان مدحًا كان أبهى وأفخم وأنبل في النفوس وأعظم ... ،وإن كان حجاجًا كان برهانه أنور وسلطانه أقهر وبيانه أبهر ... ،وإن كان وعظًا كان أشفى للصدر، وأدعى إلى لفكر، وأبلغ في التنبيه والزجر، وأجدر بأن يجلي الغيابة ويبصر الغاية ويبريء العليل ويشفي الغليل ) ) [3] .

وفي أدبنا المعاصر استعمل شوقي طريقة الأمثلة القصصية في شعره، فكان يكتب للأطفال الحكايات على ألسنة الحيوانات والطيور ولما سئل عن سبب ذلك قال: (( لأن الأمثلة وحدها بدون حكاية عبارة جافة سرعان ما تنسى، كما أنها لا تثير الاهتمام، أما الحكاية فهي تستثير اهتمام الطفل لمتابعة حوادثها حتى النهاية، وبالتالي لفهم العظة الأخلاقية التي هي هدف القصيدة ويقتنع ... بها ) ) [4] .

ومن أجل هذه الفوائد وغيرها كان من نهج القرآن الكريم في الدعوة ضرب الأمثلة إرشادًا وتوجيهًا إلى الحق حتى بلغت أمثلة القرآن بضعة وأربعين مثلًا كلها في بيان الحق والحث على الخير والزجر عن الباطل.

وكذلك كان الداعية الأول - صلى الله عليه وسلم - كثيرًا ما يضرب الأمثال ويشبه الشيء بالشيء ترغيبًا وترهيبًا ودعوة إلى الله سبحانه.

(1) كيف تكسب الأصدقاء ص: 162.

(2) تذكرة الدعاة ص:68.

(3) أسرار البلاغة ص: 92 - 96.

(4) فن الخطابة لدايل كارنيجي ص: 132

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت