وقد أفرد الإمام الترمذي في سننه كتابًا أسماه (( أبواب الأمثال ) ).
قال القاضي أبو بكر بن العربي: (( ولم يُر أحد من أهل الحديث صنف فأفرد لها بابًا غير أبي عيسى، ولله دره لقد فتح بابًا أو بنى قصرًا أو دارًا، ولكن اختط خطًا صغيرًا فنحن نقنع به ونشكره عليه وجملة ما ذكر أربعة عشر حديثًا ) ) [1] .
وقد جمع غير واحد من الحفاظ أمثال الحديث النبوي في كتب مفردة، ومن تلك الكتب كتاب أمثال الحديث لأبي محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي المتوفي نحو سنة (360هـ) ،وقد طبع أكثر من مرة.
ومنها كتاب (الأمثال في الحديث النبوي) لأبي محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان المعروف بأبي الشيخ الأصبهاني (ت 369هـ) ،وقد طبع في الهند.
ومنها كتاب (الأمثال) لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت 224هـ) ،وهو مطبوع أيضًا.
وقد تنبه الدعاة والمصلحون-على مدار التاريخ الإسلامي-إلى أهمية ضرب الأمثلة في الدعوة إلى الله، فكانوا لا يُخلون خطبهم ومواعظهم منها، إما بذكر شيء من الأمثلة القرآنية والنبوية، كما فعل النعمان - رضي الله عنه - في روايته للحديث الذي نحن بصدده حيث ذكره على منبر الكوفة [2] ،وإما بذكر أمثلة تناسب ما هم فيه حتى إن بعض الأئمة كان يضع الأمثلة على ألسنة الحيوانات والطيور رغبة في تقريب المعنى إلى جمهور السامعين.
ومن ذلك ما ضربه ابن الجوزي مثلًا لخسيس الهمة الذي يؤثر عاجل الهوى على آجل الثواب حيث قال: (( إن الكلب قال للأسد: يا سيد السباع، غير اسمي فإنه قبيح. فقال له: أنت خائن، لا يصلح لك غير هذا الاسم. قال: فجربني. فأعطاه شقة لحم وقال: احفظ لي هذه إلى غد وأنا أغير اسمك، فجاع وجعل ينظر إلى اللحم ويصبر، فلما غلبته نفسه قال: وأي شيء باسمي، وما كلب إلا اسم حسن؟ فأكل. قال ابن الجوزي: وهكذا الخسيس الهمة القنوع بأقل المنازل، المختار عاجل الهوى على آجل الفضائل ) ) [3] .
وقال الإمام ابن القيم: (( رأت فأرة جملًا فأعجبها، فجرَّت خطامه فتبعها فلما وصلت إلى باب بيتها وقف فنادى بلسان الحال: إما أن تتخذي دارًا تليق بمحبوبك أو محبوبًا يليق بدارك، وهكذا أنت، إما أن تصلي صلاة تليق بمعبودك، وإما أن تتخذ معبودًا يليق بصلاتك ) ) [4] .
بل لقد تفطن إلى هذا الأمر كثير من عقلاء غير المسلمين، فعرفوا قيمة ضرب الأمثال في إقناع السامعين واستثارتهم، وتفطنوا لأهمية ذلك في إصلاح الأفراد والمجتمعات.
ذكر ابن المقفع في كتاب كليلة ودمنة أنه لما فسد الملك دبشليم وظهر ظلمه اجتمع حكماء الهند ليتدارسوا كيفية رده إلى الصواب، ثم أوكلوا إلى بيدبا الفيلسوف مهمة إصلاح الملك، فما كان من هذا الحكيم إلا أن أخذ يضرب للملك الأمثال على ألسنة الحيوان والطير، فكان الملك يستمتع بجمال تلك الأمثلة ويفهم العظة المقصودة منها، وما زال كذلك حتى صلح حاله واستقام أمره، وكانت تلك الأمثال هي أصل كتاب كليلة ودمنة.
وفي كتاب (فن الخطابة) يولي دايل كارنيجي للمثل أهمية كبيرة، بل إنه يرى أنه من المناسب للخطيب أن يفتتح خطبته بمثل ويقول في ذلك: (( يصعب على المستمع العادي أن يتتبع العبارات المجردة طويلًا لكن من السهل عليه الاستماع إلى الأمثلة، لماذا إذن لا تبدأ بواحد منها؟ ... افتتح بمثل، أثر الاهتمام ثم تابع تقديم ملاحظاتك العامة ) ) [5] .
(1) عارضة الأحوذي (10/ 295) .ط دار الكتب العلمية.
(2) كما في المسند (4/ 269) وابن حبان (297 - إحسان) .
(3) صيد الخاطر ص:175.
(4) بدائع الفوائد (3/ 233) .
(5) فن الخطابة ص:112 - 113.