ثانيًا: الفرق بين المداهنة والمداراة
مما يتعلق بهذا الحديث معرفة الفرق بين المداهنة والمداراة؛ فقد ذم الحديث المدهن في حدود الله، وهو كما مر المحابي في غير حق المتلين لمن لا ينبغي التلين له.
غير أنه ينبغي أن بعلم أنه ليس من المداهنة المذمومة أن يعامل الداعية بعض أهل المنكر بشيء من التلطف والمصانعة وإلانة القول بقصد تأليف قلوبهم أو دفع شرهم، وهذا هو المقصود بالمداراة، وهي جائزة شرعًا ما لم تصل إلى حد الوقوع في محظور شرعي.
قال ابن حجر: (( وضابط المداراة أن لا يكون فيها قدح في الدين، والمداهنة المذمومة أن يكون فيها تزيين القبيح وتصويب الباطل ونحو ... ذلك ) ) [1] .
وقد صح في الحديث عن عائشة أن رجلًا استأذن على النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما رآه قال: (بئس أخو العشيرة وبئس ابن العشيرة. فلما جلس تطلق النبي - صلى الله عليه وسلم - في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت عائشة: يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت كذا وكذا، ثم انطلقت في وجهه وانبسطت إليه. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: يا عائشة متى عهِدتني فاحشًا؟ إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره) [2] .
وحديث عائشة هذا أصل في مشروعية المداراة [3] ،فإن فيه أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد ألان القول للرجل تألفًا له ولأمثاله على الإسلام [4] .
قال أبو العباس القرطبي في شرح هذا الحديث: (( ففي حديثه من الفقه جواز غيبة المعلن بفسقه ونفاقه والأمير الجائر والكافر وصاحب البدعة، وجواز مداراتهم اتقاء شرهم لكن ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى، والفرق بين المداراة والمداهنة أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين، وهي مباحة ومستحسنة في بعض الأحوال، والمداهنة المذمومة المحرمة هي بذل الدين لصالح الدنيا، والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما بذل له من دنياه حسن عشرته والرفق في مكالمته وطلاقة وجهه، ولم يمدحه بقول ولا روعي في ذلك في حديث، فعلى هذا لا يناقض قوله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الرجل فعله معه؛ لأن قوله ذاك إخبار بحق، ومداراته له حسن عشرة مع الخلق ) ) [5] .
(1) فتح الباري (13/ 52 - 53) .
(2) أخرجه البخاري (6032) ، (6054) ومسلم (2591) وأبو داود (4791) والترمذي (1996) وأحمد (6/ 38) .
(3) انظر فتح الباري (10/ 454) .
(4) انظر شرح مسلم للنووي (8/ 389) .
(5) المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (6/ 573) .