الصفحة 54 من 66

وبعد ذلك كله لم يكن غريبًا أن يظهر في بلادنا شباب يعبدون الشيطان، وشباب عابثون لاهون لا يعرفون ماذا يريدون ولا ماذا يراد بهم، أكتفي في وصفهم بنقل جانب من مقال آخر للأستاذ أنيس منصور يحكي فيه أنه كان خارجًا من أحد مطاعم القاهرة في الثالثة صباحًا فرأى منظرًا أهمه وأقلقه فقال في وصفه: (( ... وجدت عشرات الشباب والشابات -ونحن في الساعة الثالثة والنصف صباحًا- يهتفون من سياراتهم وينطلقون إلى هذا المطعم، وبين شفتي كل واحد وكل واحدة سيجارة، وكثير منهم معه التليفون المحمول(الموبيل) ،هؤلاء الأطفال ما الذي يفعلونه بهذه التليفونات؟ ولماذا اشتراها الأب؟ يقال: لأن الأم والأب يريدان أن يعرفا أين ابنهما العزيز فقط .... أعود إلى منظر هؤلاء الشباب قميص وبنطلون جينز، وأعمارهم دون العشرين أو بعدها بقليل، فأين كانوا قبل الآن؟ وماذا فعلوا؟ والآن ماذا يفعلون؟ وإلى متى؟ ثم بعد ذلك متى يعودون إلى بيوتهم؟ وماذا يقول الأب إن قال؟ وماذا تقول الأم إن فتحت فمها؟ وما الذي يفعلونه في هذه الدنيا؟ ... وقد رأيت ذلك في أماكن كثيرة، إنهم إذن بالألوف ... كان هؤلاء الشبان بمئات الألوف في القاهرة وكذلك في الإسكندرية وفي القرى السياحية، فهل هذا مستقبل مصر ولبنان وسوريا والأردن والخليج والمغرب وتونس؟ هل هذا هو وجه وعقل وقلب وأيدي وسيقان الأمة العربية؟! ثم هذه الوجوه الشاحبة المرهقة من أي شيء؟ قل أنت، من السهر، والإرهاق، والتدخين، والخمر، والحشيش، والبانجو، والهرويين، والكوكايين. من المسؤول عن هؤلاء؟ وماذا نستطيع أن نفعل لهم أو من أجلهم؟ أو هل هذه هي (الموضة) في الدنيا؟ أو هل هذه نتيجة الإهمال التام لهم واللامبالاة ... العائلية؟ هل هم مثل (طرح البحر) ؟ أي مثل الجثث التي يطرحها البحر على الشاطيء؟ ليسوا كذلك فليسو موتى وإنهم أحياء يرزقون ... وينفقون بلا منطق، الفلوس من آبائهم بالإكراه أو بالذوق أو يسرقونها! ثم إنهم لا يتكلمون اللغة العربية، وإذا تكلموها ففيها كلمات أجنبية، ثم إنهم مصريون. يعني إيه؟ يعني مصيبة يا سيدي )) [1] .

ولا شك أنها مصيبة كبيرة وداهية دهياء، لكن الكاتب لم يسأل نفسه: ما السبب في هذه المصيبة؟ وهل لو كان أولئك الشباب من أصحاب اللحى أكان يُسمح لهم بالسير في شوارع القاهرة في مثل تلك الساعة من الليل؟ وهل كان يشفع لهم مثلًا أن يكونوا متجهين إلى مسجد لقيام بعض ركعات وقت السحر، أو لاعتكاف سويعات في بيت من بيوت الله؟

إن الحقيقة أن التضييق على كل مظهر إسلامي صار ظاهرة مألوفة في جامعاتنا ومدارسنا وأماكن العمل وعلى كل صعيد في بلادنا، وقد رأينا من قبل كيف كان موقف الكاتب نفسه من فتاتين إحداهما محجبة والأخرى مدخنة تهوى الرقص والشراب.

إن مثل هذه السياسات الخرقاء التي يتبعها العلمانيون في بلادنا هي المسؤولة عن كل هذه البلايا والرزايا، وإن من أعظم الخرق لسفينة المجتمع أن يمكن لأهل الخنا والفجور، وأن يُحرم الدعاة الصالحون من حقوقهم حتى تلك التي تكفلها لهم مباديء الحرية الشخصية ووثائق حقوق الإنسان.

(1) المصدر السابق ص:296 - 298.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت