وللقاريء أن يقارن بين موقف دول الغرب من قضية المارق سلمان رشدي الذي تطاول على نبينا - وآل بيته الكرام في روايته الآثمة (آيات شيطانية) ،وبين موقف تلك الدول من قضية جارودي الذي تجرأ فشكك في عدد اليهود الذين أحرقهم هتلر، وكيف أن بلاد الغرب قد وقفت تدافع عن المدعو سلمان رشدي بدعوى حرية الفكر وتستقبله استقبال الأبطال، بينما قُدم جارودي للمحاكمة في باريس التي يسمونها عاصمة النور، ولم يشفع له أنه وصل إلى هذه النتيجة بعد بحث شاق ودراسة مستفيضة واستنادًا إلى وثائق عدة.
وعلى نفس النهج يمضي أدعياء الحريات في بلادنا الذين لا تهمهم قضايا الحريات بقدر ما تهمهم إشاعة الفاحشة في المجتمع المسلم، وإلا فليقل لنا قائلهم لماذا لم تتسع حريتهم المزعومة لتشمل حرية المرأة المسلمة في ارتداء حجابها الشرعي الذي أمرها الله به؟ ولم لا يعتبر ستر المرأة وجهها نوعًا من الحرية الشخصية التي يُسمح لصاحبتها بدخول الجامعة كما يُسمح للمتبرجة التي ترتدي لباسًا فاضحًا؟
لقد ذكر الكاتب أنيس منصور [1] أنه كان ذات يوم يرأس لجنة اختبار الوجوه الجديدة المتقدمة للعمل بالتليفزيون، وأنه كان من بين المتقدمات فتاة محجبة فقال لها: (( أنت عارفة أن التلفزيون لن يختار واحدة محجبة؟ ) ). فقالت: (( لابد أن أكون محجبة ) ). قال: فأشرت إليها أن تخرج وخرجت.
وفي نفس المقال يروي أن فتاة أخرى تقدمت للاختبار، ولاحظ أن بقايا دخان تخرج من أنفها، فسألها: أنت تدخنين؟ قالت: نعم. ولما سألها: وهل ستدخنين في التلفزيون؟ أجابت: نعم، هل هناك مانع؟ فأجابها: طبعًا لا، ولكن قد يؤثر على صوتك. فقالت: إذن بدلًا من أن أعمل مذيعة أعمل في الإخراج أو في الإعداد. ثم ذكر الكاتب أنها أخبرته بأنها كانت مخطوبة ولكن الخطبة (اتفركشت) ،فلما سألها عن سبب ذلك قالت: خطيبي كان (قفل) [2] ،لا يدخن ولا يشرب ولا يرقص ولا يعرف يعوم.
ومع كل ذلك استمر في اختبارها، بل وأخبرها أنها من الناجحات [3] .
ولست من دعاة خروج المرأة المسلمة للعمل خصوصًا في مثل تلك الأجواء الموبوءة، لكني أردت أن أبين كيف اتسعت حريتهم المزعومة لفتاة تدخن السجائر وتسمي خطيبها (قفلًا) لأنه لا يشرب الخمر ولا يحسن الرقص، بينما ضاقت هذه الحرية ذرعًا بفتاة مسلمة لمجرد أنها أبدت تمسكها بالحجاب، فلم يسمح لها حتى بمجرد الاختبار.
وقس على هذا الموقف مئات المواقف التي يبدو فيها موقف العلمانيين الرافض لأي مظهر إسلامي كإعفاء اللحية أو توبة بعض الممثلات والمغنيات، أو غير ذلك مما كان يجب عليهم طبقًا لما يتشدقون به أن يعتبروه نوعًا من الحريات الشخصية التي يجب حمايتها والحفاظ عليها.
(1) في مقال له بعنوان (واحدة جاءت تتسلى) منشور ضمن كتاب غلطة عمري ص: 275.
(2) حرصنا على إيراد بعض الألفاظ العامية كما وردت في المقال ليرى القاريء نموذجًا للعقلية التي يُختار أصحابها ليكونوا قدوة لأبنائنا وبناتنا من خلال شاشة التلفزيون.
(25) المصدر السابق ص:275 - 282.