الصفحة 17 من 66

-وفي الحديث أيضًا أن تأذي أهل العلو من مرور أهل السفل عليهم كان من الأمور التي حملتهم على خرق السفينة؛ ففي رواية الترمذي (فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا) ،وعند البخاري في الشهادات (قال: تأذيتم بي ولابد لي من الماء) ،وفي هذا إشارة إلى صنف من أرباب الجرائم لا يكون الواحد منهم شريرًا بطبعه، أو قد يكون ممن تتنازعه دوافع الخير ودوافع الشر، فربما رجَّح جانبَ الشر عنده تصرفٌ غير رشيد من بعض مَن حوله، وهذا وإن لم يكن مانعًا من الأخذ على يديه ومنعه من فعل الشر، فإنه يلفت النظر إلى خطورة ما قد يبدو من البعض من تصرفات متعمدة أو غير متعمدة تدفع غيرهم إلى الوقوع في المعاصي والذنوب، وعليه فالمؤمن الحق يحرص على أن يعين غيره على فعل الخير فإن لم يفعل فلا أقل من أن لا يكون دافعًا له إلى الشر والله أعلم.

د-صفة العموم في هذا التشبيه: وذلك أن الدارس للتشبيهات التي توجد في أمثلة الشعوب وآدابها، سيجدها ولاشك معبرة عن زمانها وبيئتها التي قيلت فيها، بينما نجد الأمر على خلاف ذلك في تشبيهات القرآن الكريم والسنة المطهرة، فهي تتسم بالعمومية بحيث لا يجد السامع في أي عصر وأي مصر كبير عناء في فهم المثل ومعرفة المقصود منه.

ولا غرو في ذلك فإنه لما كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - رسولًا للناس كافة، وكانت رسالته هي الرسالة الخاتمة المخاطَب بها الناس كلهم إلى يوم الدين، فقد انبنى على ذلك أن يكون الخطاب فيها متصفًا بصفة العموم حتى يمكن للكل فهمه ومعرفة المقصود منه.

وفي هذا الحديث نلمح صفة العمومية في اختياره - صلى الله عليه وسلم - لعناصر المشبه به، فهي الماء والسفينة وأهل السفينة، وهي عناصر يستوي في إدراكها كل الناس حتى الذين يعيشون في بيئة لا بحار فيها ولا أنهار، وهي أمور لازمة للبشرية في كل عصورها مهما تقدمت علومها وازدهرت حضارتها.

بل إن جُل من خوطبوا بهذا المثل لأول مرة كانوا من أهل البر الذين لم يعتادوا ركوب البحر، بل هو نفسه - صلى الله عليه وسلم - لم يركب سفينة قط.

ثم إن كون أهل السفل في المثل المضروب أرادوا خرق السفينة ليستقوا يدل على أن السفينة كانت تجري بهم في نهر عذب الماء، وهو ما لا وجود له في جزيرة العرب بالكلية.

ومعنى ذلك أن التشبيه لم يكن مستمدًا من البيئة التي كان يعيش فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -،وهذا يؤكد ما أسلفناه من وجود صفة العموم في هذا المثل العظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت