الصفحة 16 من 66

وتصوير الأمر بهذه الصورة البديعة يترك في نفس السامع ولا شك أثرًا حيًا يدرك به كيف يتطور أمر المنكر في المجتمع فهو يبدأ صغيرًا كخرق يسير ثم لا يزال يتسع إن لم يتداركه أهل الحكمة حتى تصعب السيطرة عليه، وإن ذلك ليوحي للسامع بأهمية الأخذ على أيدي العابثين والقيام على حدود الله، ويجعله مستحضرًا لتلك النتائج الرهيبة المترتبة على التقاعس عن أمر الله، والمداهنة في حدوده سبحانه.

ب- اتساق التشبيه مع الغرض الذي سيق من أجله: من جوانب البلاغة في هذا التشبيه اتساقه مع الغرض الذي سيق من أجله؛ فإن تشبيه المجتمع بالسفينة، يتفق غاية الاتفاق مع الغرض الذي سيق لأجله التشبيه وهو بيان أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وخطورة التغاضي عن أصحاب المعاصي والمنكرات؛ إذ إن السفينة وهي في عرض البحر عرضة لمخاطر جمة من الأمواج المتلاطمة والمياه المغرقة وكائنات البحر المفترسة، وكل ذلك مما يبين خطورة السكوت على عبث من أراد خرقها، وأن المجتمعات عرضة لمخاطر لا تقل عن تلك التي يتعرض لها ركاب سفينة في عرض البحر، وكما أن أخطاء البعض في السفينة يمكن أن تودي بحياة جميع ركابها، كذلك يمكن أن تودي خطايا بعض الأفراد بخراب مجتمع بأسره.

ثم إن السفينة كانت من عهد نوح - عليه السلام - سبيل السلامة ورمز النجاة، حتى إنها لتعبر في الرؤيا بالنجاة، واختيارها ليُشبَّه بها المجتمع في هذا المثل يوحي للمتأمل بعظم الجرم الذي يرتكبه أصحاب المعاصي والمنكرات، فحالهم كحال من أراد أن يحيل السفينة وهي رمز النجاة إلى وسيلةٍ للموت والهلاك.

ج- الدقة في اختيار الألفاظ: وذلك أنه لما كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الذي لا ينطق عن الهوى، وقد أوتي جوامع الكلم، فإن من سمات حديثه - صلى الله عليه وسلم - الدقة واختيار اللفظ المناسب في موضعه بحيث لا ترى في كلامه (( حرفًا مضطربًا ولا لفظة مستدعاة لمعناها أو مستكرهة عليه، ولا كلمة غيرها أتم منها أداء للمعنى وتأتيًا لسره في الاستعمال ) ) [1] .

وإن هذا الأمر ليتجلى في اختياره - صلى الله عليه وسلم - للألفاظ التي وصف بها أهل السفينة، فقد جاءت تلك الألفاظ مطابقةً لحال الناس حتى في ما لا يتعلق تعلقًا مباشرًا بالقضية الرئيسة التي هي موضع عناية الحديث.

-فمن ذلك مثلًا قوله (استهموا) : فإنه لو اكتفى بذكر ركوبهم في السفينة لما أضر ذلك بالمعنى المقصود وهو أهمية الأخذ على أيدي العابثين، لكن ذكر الاستهام يدل على أن مواضع القوم في السفينة إنما جاءت على وفق الحق والعدل، ففي عرف الشرع أن القرعة عند الاحتياج إليها وسيلة من وسائل إقامة الحق وإشاعة العدل، وعليه فليس لأهل السفل أن يبدوا امتعاضهم من كون نصيبهم قد جاء في أسفل السفينة، فكأن الحديث يشير إلى أن اقتسام الحظوظ في هذه الدنيا إنما هو بعدل الله وحكمته، وعلى المرء أن يسعى ويجتهد ثم ليرضَ بعد ذلك بما قدره الله له من متاع هذه الحياة، وليس له إن قُدر عليه رزقه أن يعترض على قدر الله، أو أن يبيح لنفسه ارتكاب ما حرم الله بدعوى أنه وقد حُرم مما أوتي غيره فله أن يصل إلى مثل ما فيه هذا الغير ولو بالطرق المحرمة الممنوعة.

-ثم إن كون الوضع في السفينة بدأ بالقسمة العادلة ثم طرأت محاولة الإفساد عليه، يخدم قضية إيمانية أخرى، وهي أن الأصل في البشرية كان التوحيد والصلاح، وأن الشرك والفساد طارئان عليها، فلم تبدأ البشرية بالوثنية وتعدد الآلهة كما يزعم أصحاب نظرية الطوطم، بل بدأت بالتوحيد على عهد آدم - عليه السلام - واستمر الأمر على ذلك زمنًا حتى طرأ الشرك والفساد.

(1) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية ص:325.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت