الصفحة 15 من 66

2 -الكناية في قوله: (أخذوا على أيديهم) ، فإن الأخذ على اليد كناية عن استعمال القوة، كما ذكر الحافظ ابن حجر في حديث: (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا) [1] ، حيث قال: (( قوله(تأخذ فوق يديه) كنى به عن كفه عن الظلم بالفعل إن لم يكف بالقول )) [2] .

3 -التشبيه التمثيلي في قوله: (مثل القائم على حدود الله ... ) إلخ، وهو تشبيه معقول بمحسوس؛ شبهت فيه الهيئة الحاصلة من قيام المسلمين بواجبهم في تغيير المنكر بالهيئة الحاصلة من قيام أهل السفينة بمنع من يريد خرقها من الإقدام على ما يريد، كما شبهت الهيئة الحاصلة من التقاعس عن تغيير المنكر بحال أهل السفينة إن تركوا من يريد خرقها يفعل ما يشاء.

ووجه الشبه هنا صورة منتزعة من متعدد؛ وهي منتزعة في الحالة الأولى من هيئة النجاة المترتبة على قيام قوم بما يجب عليهم، وفي الحالة الثانية من هيئة الهلاك الناجم عن تقصيرهم في ما يجب عليهم؛ فكما أن أهل السفينة سينجون إن أخذوا على يد من يريد خرقها، فإن النجاة ستكون مصير الجميع في مجتمع يأخذ أهله على يد العابثين، وكما أن الغرق سيكون مصير أهل السفينة إن تركوا مريد الخرق يفعل ما يريد فإن مجتمع المداهنين الساكتين عن أهل المنكر سيؤول إلى هلاك محتم.

ومن أجل هذا قلنا إن هذا التشبيه من نوع تشبيه التمثيل، جريًا على اصطلاح جمهور البلاغيين الذين يرون أن التشبيه التمثيلي ما كان وجه الشبه فيه منتزعًا من متعدد [3] .

مظاهر البلاغة النبوية في هذا التشبيه

نظرًا لأن التشبيه هو عمدة البلاغة في هذا الحديث الشريف فقد رأيت أن أخصه بشيء من التفصيل يتضمن القيمة الجمالية لهذا المثل، وما فيه من ملامح بلاغة أبلغ البلغاء - صلى الله عليه وسلم -.

أ- القيمة الجمالية لهذا المثل: لقد زاد هذا التشبيه المعنى المراد وضوحًا وجمالًا؛ إذ إنه شبه الأمر المعقول وهو حال الناس في المجتمعات بأمر محسوس وهو حال قوم ركبوا سفينة وهو أمر يمكن إدراكه بالحس، ولاشك أن هذا أدعى لفهم المراد والتأثر به.

ثم إن الحديث لم يكتفِ بإعطاء السامع تشبيهًا مجردًا، ولكنه جاء به في قالب أقرب ما يكون إلى هيئة القصة التمثيلية، وإن الناظر إلى هذا المثل يجده مليئًا بالحركة والحيوية والمشاهد المتتابعة؛ فهاهم القوم مقبلون على ركوب سفينتهم، وهاهم يقتسمون أماكنهم فيها بالقرعة، حتى إذا ما استقروا فيها بدا لنا مشهد آخر فيه يظهر أهل السُفل متجهين إلى أعلى السفينة يحملون الماء ثم يعودون به إلى أماكنهم، ثم يبدو لنا مشهد أهل العلو وقد تأففوا مما أصابهم من مرور القوم عليهم، فهم يعلنون ضيقهم وتبرمهم بالأمر، وأنهم لن يتركوا أهل السفل يلحقون الأذى بهم، ثم يظهر لنا مشهد بعض أهل السفل وقد حملوا فؤوسهم معلنين أنهم وقد تأذى بهم أهل العلو فليس أمامهم من سبيل سوى أن يخرقوا في نصيبهم خرقًا يستقون منه، ويكون المشهد الختامي نهاية مفتوحة على أحد احتمالين: فإما أن يقوم أهل الحزم والعزم بواجبهم فيمنعوا القوم مما أرادوه من خرق السفينة فينجوا الجميع، وإما أن يتركوهم وشأنهم فتكون الهلكة العامة.

(1) أخرجه البخاري (2465) ، (6229) ومسلم (2121) وأبو داود (4815) من حديث أنس.

(2) فتح الباري (5/ 98) .

(3) انظر الإيضاح للقزويني (2/ 371 - 373) ،ومعجم المصلحات البلاغية لأحمد مطلوب ص:333.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت