ثالثًا: تفسير السلوك الإجرامي
تمثل دراسة العمل الإجرامي جانبًا مهمًا من جوانب الدراسات الاجتماعية؛ فإنه إذا كان القانونيون يدرسون الجريمة على أساس أنها انتهاك لقاعدة قانونية يستحق صاحبها العقوبة، فإن الدراسات الاجتماعية تهتم بمعرفة أسباب إقدام بعض الأفراد على ارتكاب الجرائم، (( ويمكن القول بصفة عامة إن البحث المبكر في أسباب أو عوامل السلوك الإجرامي قد اعتمد على نوعين من التفسير، هناك التفسير البيولوجي أو العقلي الذي يعتمد على دراسة الخصائص البيولوجية والعقلية للمجرمين، وهناك التفسير البيئي الذي يميل إلى تفسير السلوك الإجرامي على أنه نتاج عوامل بيئية يتعين الكشف عنها ) ) [1] .
ولسنا من غرضنا هنا استقصاء مدارس علم الاجتماع في تفسير السلوك الإجرامي ومعرفة أسبابه، وإنما الغرض الإشارة إلى ما سبق به الإسلام هذه الأفكار البشرية، فالحديث الشريف يشير إلى دور العوامل البيئية في تفسير الجريمة؛ وذلك واضح من كون أصحاب السفل أرادوا أن يخرقوا السفينة بسبب امتعاض أصحاب العلو منهم، وفي رواية الترمذي: (فقال الذين في أعلاها لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا) .
لكن هاهنا أمور يجب التنبيه عليها:
1 -أول هذه الأمور أن هذا الذي ذكرناه لا يصلح أن يكون تفسيرًا عامًا تفسر في ضوئه كل الجرائم كما يريد البعض أن يقول، فكما أن للعوامل البيئية دورها فإن للعوامل النفسية والوراثية وغيرها دورًا في فعل الجريمة، وهذا مشاهد مألوف، والإشارة في حديثنا إنما هي إلى أن بعض الجرائم قد يكون باعثها بيئيًا، بينما هناك أدلة أخرى تشير إلى بواعث أخرى لبعض الجرائم؛ فنحن نعلم أن الحسد كان دافع اليهود إلى عدم الدخول في الإسلام، وحب الرياسة والجاه كان المانع من دخول كبراء قريش في الإسلام، كما أن البغي والحسد قد دفعا بابن آدم الأول إلى قتل أخيه، وغير ذلك كثير.
2 -لا شك أن الغرض من دراسة أسباب الجريمة هو محاولة سد منافذها بمنع أسبابها، ففي مثل حديثنا يصح أن يقال لأهل العلو: عليكم أن تتحملوا بعض الأذى من صعود أولئك القوم ونزولهم، فذلك خير من خرقهم للسفينة.
وإذا كنا نطالب البعض بالصبر على بعض الأذى حتى لا يقع غيرهم في الفعل الإجرامي فإننا من باب أولى نطالب أقوامًا يرتكبون من الأفعال والأقوال ما يدفع غيرهم لارتكاب الجرائم، نطالبهم بأن يتوبوا إلى الله وأن يرجعوا عن مثل تلك الأفعال، وإن الناظر في مجتمعاتنا ليجد الكثير مما ألمحنا إليه، فهذه الأفلام والمسلسلات التي تبثها أجهزة الإعلام بما فيها من تزيين للمنكرات وتمجيد لهذه الفنون الهابطة المخافة للشرع، تعتبر دافعًا للكثيرين للوقوع في مثل ما تدعوا إليه هذه الأجهزة الإعلامية من الفواحش والمنكرات.
كما أن في سلوك بعض الأغنياء والمترفين ما يشكل استفزازًا للفقراء وقد يدفعهم دفعًا لارتكاب بعض الجرائم والموبقات، وعلى سبيل المثال فقد نشرت بعض الصحف القاهرية أن امرأة ثرية قد تقدمت ببلاغ إلى قسم شرطة مصر القديمة عن فقدان كلبٍ لها، وأنها هددت داخل القسم بالانتحار إذا لم تستعد لها المباحث كلبها الضائع، وأدهى ما في الأمر أنها قالت في بلاغها: إن مجوهرات قيمتها ثمانون ألفًا من الجنيهات سُرقت مع الكلب من داخل سيارتها، لكن المهم عودة الكلب لا المجوهرات [2] .
وفي مصر أيضًا يتردد عن إحدى الراقصات أنها تملك (شقة) سكنية ثمنها عدة ملايين من الدولارات، وأنها تمتلك عربة مصفحة، ولديها عدد كبير من الحراس، وغير ذلك من مظاهر الثراء والرخاء الذي ما حققته إلا بطريق الرذيلة والفساد، وأمثال تلك الراقصة كثيرون.
(1) مفاهيم علم الاجتماع ص:213.
(2) جريدة الميدان عدد 18/ 11/1418هـ.