الصفحة 59 من 66

ولا ينبغي لطالب الآخرة أن يشغله عن القيام بهذا الواجب اشتغاله بأنواع العبادات من الذكر والدعاء وطلب العلم ونحو ذلك؛ فإن هذا مطلوب وذاك مطلوب، ولا ينبغي أن يطغى أحدهما على الآخر، ويُخشى أن يكون ذلك من تلبيس الشيطان، كما قال الإمام ابن القيم: (( وقد غر إبليس أكثر الخلق بأن حسن لهم القيام بنوع من الذكر والقراءة والصلاة والصيام والزهد في الدنيا والانقطاع فعطلوا هذه العبوديات، وهؤلاء عند ورثة الأنبياء من أقل الناس دينًا ... وأي دين وأي خير فيمن يرى محارم الله تنتهك وحدوده تضاع ودينه يترك، وسنة رسول الله - يرغب عنها وهو بارد القلب ساكت اللسان شيطان أخرس كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق؟ وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياساتهم فلا مبالاة بما جرى على الدين؟ وخيارهم المتحزن المتلمظ، ولو نوزع في بعض ما فيه غضاضة عليه في جاهه أو ماله بذل وتبذل وجد واجتهد، واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة [1] بحسب وسعه، وهؤلاء مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم قد بُلوا في الدنيا بأعظم بلية تكون، وهم لا يشعرون، وهو موت القلوب؛ فإن القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ورسوله أقوى وانتصاره للدين أكمل ) ) [2] .

(( والذين يؤثرون السلامة في أديانهم -فيما زعموا - وفي أبدانهم، ويتركون الأمر والنهي الواجب عليهم -مع القدرة عليه- لهذا السبب هم كالمستجير من الرمضاء بالنار، إذ صورة حالهم أنهم يهربون من ضرر متوقع إلى ضرر واقع، كما قال تعالى عن المنافقين: {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} ... ) ) [3] .

وإن من أهم سمات المجتمع المسلم أن تكون هذه الشعيرة ظاهرة فيه، فهي مع إقام الصلاة وإيتاء الزكاة من أخص خصائصه كما قال تعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} (الحج:41) .

(1) نقل بعض فضلاء المعاصرين كلام ابن القيم هذا ثم علق على قوله (الثلاثة) قائلًا: (( كذلك في المطبوع والصواب: الثلاث ) ). قلت: بل الصواب جواز الوجهين، فإن القاعدة أنه إذا لم يذكر المعدود أو تقدم على العدد صحت ... الموافقة والمخالفة، كما في قوله تعالى: (أربعة أشهر وعشرًا) ،إذ المقصود عشرة أيام، ولو ذكرت الأيام بعد العدد للزم تأنيث العدد، لكن لما لم تذكر الأيام صح أن يُذكَّر العدد وأن يؤنث، ومثاله أيضًا حديث أبي أيوب عند مسلم (1164) : (( من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال ) )،فإن المقصود ستة أيام. [انظر شرح مسلم للنووي ... (4/ 313) ،وتهذيب الأسماء واللغات (3/ 45) ،وبدائع الفوائد لابن القيم (4/ 21) ،والنحو الوافي لعباس حسن (4/ 524 - 526) ]

(2) إعلام الموقعين (2/ 164 - 165) .

(3) من وسا ئل دفع الغربة ص: 99.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت