وتتوالى القرون وتمر السنون والإسرائيليون على ما هم عليه من فساد في العقيدة، وإنحطاط في الخلق، وإعوجاج في السلوك، وإنحراف عن شريعة الله وبُعد عن تعاليمه وكان أهم ما يرنيهم هو جمع المال والحرص عليه ولم يقتصر هذا الداء على السواد الأعظم منهم بل تجاوزه إلى علمائهم وأحبارهم الذي دأبوا على أكل أموال الناس بالباطل والصد عن سبيل الله بتحريض العامة ودعوتهم إلى تقديم القرابين والنذور للهيكل كي يظفروا بمغفرة الله كما وسطوا الأحبار والرهبان بينهم وبين الله كي يغفر لهم الذنوب والخطايا وكان هذا الطابع المادي الذي صبغ نفوسهم وحياتهم الخاصة والعامة سببًا في إنغماسهم في الحياة المادية وشغفهم بمتع الحياة حتى إن بعضهم أنكر اليوم الآخر وما فيه من حساب وثواب وعقاب، وكان الإنغماس في الحياة المادية دافعًا لهم إلى اقتراف الجرائم والتورط في الآثام مما كان سببًا في تحريم الطيبات عليهم عقوبة لهم (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا، وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [1] .
6 -بعث عيسى عليه السلام وهم على هذا الحال وكان عليه إزاء ذلك أن يبين أمرين:
أولًا: أن يوجههم إلى الحياة الروحية بدلًا من الحياة المادية التي انغمسوا فيها.
ثانيًا: أن يلغي الوساطة بين الله وبين عباده، فباب الله مفتوح لكل من يطرقه لا يتوقف على راهب ولا حبر.
وأيده الله بمعجزات تقطع بأنه رسول الله ذكرها الله في قوله: (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَاكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) [2] .
وطلب الحواريون منه معجزة أخرى فوق معجزة خلق الطير من الطين وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى والإخبار بما هو مجهول من مطاعمهم وما يدخرون فطلبوا منه أن ينزل عليهم مائدة من السماء. يقول الله سبحانه: (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَاكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ، قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) [3] .
(1) سورة النساء: [160: 161] .
(2) سورة آل عمران: [49: 51] .
(3) سورة المائدة: [113: 115] .