الصفحة 63 من 114

وحين تتغير الصورة: السياسية أو الإقتصادية أو الاجتماعية ، تحتاج إلى أحكام جديدة مستمدة من الشريعة . والوسيلة الشرعية لذلك هي الاجتهاد فيما ليس فيه نص . وهي المزية الكبرى لهذه الشريعة ، التي تجعلها صالحة لاستيعاب ما يجدّ في حياة الناس ، وربطه بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إلى أن تقوم الساعة لا يند عنها شيء .

والاجتهاد مأذون به بل مأمور به:

( فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ) (1) .

سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا - رضي الله عنه - وهو يوليه على اليمن: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء ؟ قال: أقضي بكتاب الله . قال: فإن لم تجد في كتاب الله ؟ قال: فبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: اجتهد رأيي . فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدره موافقا ومؤيدًا لما يقول (2) .

وللاجتهاد شروطه المعروفة من علم بالفقه وعلم بالأصول وعلم بالآلة ( اللغة ) وبصر بأحوال الناس وقدرة على الاستنباط واستقامة في الخلق وامانة في الدين . ولكنه أولا وأخيرا أداة ربانية زود الله بها هذه الأمة لتظل تحت مظلة الشريعة لا تخرج عنها ولا تستبدل بها حكم الجاهلية ، ولتتحرك الحركة المنضبطة ، فلا تجمد في مكانها حيث تقتضي حركة الحياة أن تتقدم ، ولا تنفلت في حركتها فتخرج عن مقاصد الشريعة ، فيحدث الفساد في الارض .

وحصيلة الاجتهاد الدائمة: صور متغيرة تدور حول محاور ثابتة . سنة الله في الخلق كله وفي حياة الإنسان . فتلتقي الشريعة المنزلة في نسق واحد مع الكون والحياة والإنسان .

( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ) (3) .

(1) سورة الحشر [ 2 ] .

(2) رواه أبو داود .

(3) سورة ص [ 29 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت