المبْحَثُ الثاني
هَلْ لِوَليِّ الأَمْرِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي أَحْكَامِ الشَّريْعَةِ بِحَسَبِ الأحوَال
يقول الذين يتلمسون المعاذير والحجج ليتهربوا من الالتزام بتطبيق شريعة الله ، إن لولي الأمر أن يتصرف في أحكام الشريعة حسب الأحوال . . فقد أوقف عمر حد السرقة عام الرمادة ، وأبطل سهم المؤلفة قلوبهم من مصارف الزكاة . . فإذا جاز هذا لعمر رضي الله عنه فلماذا لا يجوز للحكام اليوم ، وقد تبدلت الأمور تبدلا حادا ، يستدعي إعادة النظر فيما يمكن وما لا يمكن ، وما يجوز وما لا يجوز ؟!
واتهام عمر رضي الله عنه بالتصرف من عند نفسه في أحكام الشريعة حسب أحوال عصره أمر خطير لا يجوز أن يترك بغير تفنيد وتحقيق .
فعمر رضي الله عنه لم يكن حاكما عسكريا يتصرف في الأمور بما تمليه عليه أهواؤه ، ولم يكن جبارًا في الأرض كالفراعين ، يقول: ( مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ) (1) .
والصحابة رضوان الله عليهم من جانب آخر لم يكونوا ليسكتوا على تغيير شرع الله أو إبطاله مهما يكن الشخص الذي قام بهذا التصرف ، عمر أو غير عمر . . ولنذكر جيدًا أن عمر رضي الله عنه - برغم كل المهابة التي أضافها الله عليه ، وجعل من مظاهرها الجسم الطويل القوي والصوت الجهوري - قام يوما على المنبر فخطب الناس فقال: أيها الناس اسمعوا وأطيعوا ! فقال له سلمان الفارسي رضي الله عنه: لا سمع لك اليوم علينا ولا طاعة ! فقال عمر رضي الله عنه: ولمه ؟ قال: حتى تبين لنا من أين لك هذا البرد الذي ائتزرت به ، وأنت رجل طوال لا يكفيك برد واحد كما نال بقية المسلمين ! فلما بين له عمر رضي الله عنه أن البرد الذي ائتزر به هو برد ابنه عبد الله ، قال سلمان: الآن مُر ! نسمع ونطع ! .
(1) سورة غافر [ 29 ] .