، والتي نزلت فيها الأصول العامة التي تضبط حركة الأمة خلال حركتها التاريخية ، وترك للاجتهاد استنباط الأحكام المناسبة لكل عصر ، بنفس الشروط السابقة وهي عدم الخروج على مقاصد الشريعة ، وعدم تحليل الحرام ولا تحريم الحلال . أما الأمور الثابتة ، ومن بينها الحدود ، وعلاقات الجنسين ، وعلاقات الأسرة . . الخ ، فليس لأحد أن ينقلها من الخط الثابت إلى الخط المتغير بأي عذر من المعاذير !
المبحَث الثالِث
شُبْهَةُ التطوّرْ
وَعَدَمُ مُلاَءَمة الشَّريعة للأَحوالِ المُستَجدّة في حَياةِ النَّاسِ
هل تصلح الشريعة التي نزلت قبل أربعة عشر قرنًا أن تحكم الواقع المعاصر ، وقد جدّ في حياة الناس بعد الثورة الصناعية وتقدم العلم وتشابك العلاقات البشرية وتعقدها ما لم يكن قائما وقت نزول هذه الشريعة ؟
وإذا كان تطبيق الشريعة قد ظل ممكنًا طيلة القرون العشرة التي تلت نزولها بسبب بطء التغيرات التي جدت في حياة الناس ، وانحصارها في أمور ليست بعيدة الشبه بالأحوال التي نزلت فيها الشريعة ، فهل تظل على الدرجة ذاتها من إمكان التطبيق بعد أن كادت تندثر الأحوال الأولى ، وجدت بعدها أحوال تكاد تكون مبثوثة الصلة بما كان من قبل ؟!
كذلك يفكر بعض الناس . . ولعل هذه هي أهم القضايا التي تثور في ذهن"المثقف"الغربي تجاه تطبيق الشريعة ، وخاصة إذا كان من المغرقين في الأخذ بالتفسير المادي للتاريخ ، الذي يتبناه التفكير الماركسي ، وإن الغرب"الليبرالي"يشارك فيه بقدر ليس بالقليل (1) .
ونريد هنا أن نناقش الأمر من طرفيه معًا: قضية"التطور"الذي يغير الحياة على الدوام ، وقضية ثبات الشريعة كما نزلت قبل أربعة عشر قرنًا من الزمان .
(1) في الحقيقة لا يوجد فارق جذري بين التفكير"الليبرالي"الذي يتبناه الغرب الرأ سمالي ، والتفكير الجدلي المادي الذي يتبناه العالم الشيوعي تجاه قضية التطور بالذات ، إنما هو فارق في الدرجة لا في النوع.