الصفحة 64 من 114

المبحَث الرّابع

شُبْهَة تَعارُض أحكَام الشريْعة مَعَ مقتضَيَاتِ الحضَارة الحَديثة

وَوُجُوبُ الأَخْذِ بِمَعَايِيرْ الحَضَارة دُوْنَ الشَّرِيعَة

ألمحنا في المبحث الثالث إلى بعض جوانب هذه القضية: قضية تعارض أحكام الشريعة مع مقتضيات الحضارة الحديثة . فهي في صميمها فرع عن قضية التطور التي تفترض أن كل جديد هو بالضرورة خير من كل قديم ، لمجرد أن هذا جديد وذاك قديم ، لا لمزية موضوعية في هذا ليست موجودة في ذاك ! وإذ كانت الحضارة القائمة اليوم"حديثة"فهي بهذا الاعتبار خير من كل قديم سبق . . ولو كان منزلًا من عند الله !

وقد نشأ هذا الوهم في أوربا من مجموعة من العوامل بعضها حق وكثير منها باطل . ولكنه وَهْمٌ ركب الناس وهم فارّون من شبح الكنيسة المزعج ( كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ(1) ! ولو لم يكونوا في حالة فرار ، ولو لم يكن قسورة وراءهم ، فلربما كانوا يتعقلون في هذا الأمر - وفي أمور كثيرة غيره - فلا يتصرفون بلا وعي كما يتصرفون الآن ، ثم يبثون أوهامهم - بسيطرتهم العسكرية والاقتصادية والسياسية والعلمية - على بقية الأرض .

حقيقة إن العصر الذي ساد فيه الدين الكنسي المحرف كان عهد ظلام في أوربا ، كما يصفون هم بحق عصورهم الوسطى المظلمة . وإن العصر الذي تلا ذلك ، وانحسر فيه سلطان الكنيسة وسلطان ذلك الدين كان عهد نور وتفتح ، وعهد تقدم في كل ميادين الحياة ، وعهد قوة وسيطرة بالنسبة لأوربا خاصة .

وقد فهمت أوربا من ذلك أن"الدين"هو سبب التأخر ، وأن الحضارة التي لا تقوم على الدين هي سرُّ الفلاح في الدنيا ، وهي التي تحوز للإنسان كل أسباب القوة والتقدم والرقي .

(1) سورة المدثر [ 50 - 51 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت