ومن ثم فلا عمر رضي الله عنه يتصور منه مخالفة شرع الله ، ولا الصحابة رضوان الله عليهم يتصور منهم االسكوت على المخالفة ولو كانت من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب .
والحق أن الذين يتلمسون المعاذير لا يسمون عمل عمر مخالفة ، إنما يسمونه"تصرفا"ليبنوا عليه قاعدة تهفو إليها أفئدتهم لتحلهم من الالتزام بشرع الله ، هي أن لولي الأمر أن يتصرف في أحكام الشريعة بما يراه ، بحسب الأحوال ! وبشئ من"البحبحة"يحلّون أولياء الأمور اليوم من الشريعة بأكملها ، بحجة مناسبة الأحوال !
فلننظر في عمل عمر رضي الله عنه: هل هو"إبطال"للشريعة أو"تصرف"فيها ؟ أم هو عين الالتزام بأحكام الشريعة مع الاجتهاد في تحديد الصورة الصحيحة لتطبيقها ؟
أوقف عمر حد السرقة عام الرمادة ، فما دلالة هذا التصرف ؟
فلنرجع إلى مقاصد الشريعة .
إن الإسلام لا يبدأ بتقرير العقوبة ولا بتطبيقها . إنما يسعى أولا لسد منافذ الجريمة حتى لا تقع ابتداء . فإذا وقعت نظر في كل حالة ليضمن أن فاعلها غير معذور ، فيقيم عليه الحد وقتئذ وقد ضمن ألا عذر له في ارتكاب الجريمة . فإذا قامت الشبهة فإنها تدرأ الحد . .
هذه هي الشريعة . وهذا هو الذي فعله عمر على وجه التحديد !
رأى أن شبهة الجوع الملجئ إلى السرقة قائمة ، فدرأ الحد بالشبهة ، ولم يقم الحد حتى يطمئن أن مرتكب السرقة غير معذور في ارتكابها . . فهل غيّر عمر شرع الله أو أبطل تنفيذه ؟ أم إنه كان منفذا دقيقا ملتزما في تطبيقه كل الالتزام ؟
أما الاجتهاد الآخر الذي قام به عمر رضي الله عنه فهو إبطال سهم المؤلفة قلوبهم من مصارف الزكاة .