تقول الآية الكريمة: ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (1) .
وقال عمر رضي الله عنه: لقد أعزّ الله الإسلام ، فلم تعد هناك حاجة لتأليف القلوب . فهل أبطل عمر رضي الله عنه شرع الله ؟ أم إنه نظر في دواعي التطبيق ، فوجد - باجتهاده - أن الداعي لتأليف القلوب لم يعد قائما بعد أن أعز الله الإسلام ، فلم يعد لهذا السهم باب للإنفاق فيه في تلك الحالة ، وهي عزة الإسلام ، ودخول الناس فيه طواعية أو خضوعا للغالب المنتصر ، وفي كلتا الحالتين لا يحتاج الأمر إلى تأليف القلوب ، فالذي دخل طواعية مؤمن صادق قد استقر الإيمان في قلبه ، والذي دخل خضوعا للغالب المنتصر قد وجد السبب الذي يدعوه للإسلام فدخل فيه استجابة لذلك السبب ، وهو كافٍ عنده للدخول فيه !
لو قال عمر: إن هناك من نحتاج إلى تأليف قلبه للإسلام ، لأن الإسلام لم يتمكن في الأرض بعد ، ولكني أرى مع ذلك ألا أنفق هذا السهم من الزكاة لتأليف القلوب . . لو قال ذلك - وحاشا لعمر المؤمن التقي أن يقوله - لوقعت عندئذ المخالفة التي لا تقبل من عمر ولا غير عمر ، لأنها تكون عندئذ تغييرا وتبديلا في شرع الله .
أما قيام حالة لا يكون النص منطبقا فيها ، فلا يطبق النص لعدم انطباقه على الحالة القائمة ، فتصرف أبعد ما يكون عن التغيير أو التبديل في شرع الله .
ونأخذ مثالًا من حالة أخرى للتوضيح .
يقول يحيى بن سعيد: بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقية فاقتضيتها ، فطلبت فقراء أعطيها لهم فلم أجد ، فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس . فاشتريت بها رقيقا فأعتقتهم .
(1) سورة التوبة [ 60 ] .