{يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد، وكلوا واشربوا، ولا تسرفوا، إنه لا يحب المسرفين، قل: من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، قل: هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا، خالصة يوم القيامة، كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون، قل: إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإثم والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 31 - 33] .
وكلما مضينا هكذا مع النصوص القرآنية التي تقرر تكاليف الحياة الإسلامية، وتضع حدود المنهج الإسلامي للحياة، لاحظنا"الواقعية"في هذا المنهج وانطباقها على واقعية الفطرة الإنسانية، وحدود طاقاتها الموهوبة لها، وحدود الاستعدادات المهيأة للعمل والنشاط، بحيث لا تكبت طاقة واحدة، ولا تكف عن العمل، وبحيث لا تكلف كذلك أكبر من وسعها، ولا تكلف ما ليس من طبعها وفطرتها.
وتتجلى هذه الواقعية بوضوح حين ننظر مثلًا فيما تتطلبه العقيدة البراهمية من معتنقيها وحين نراها تطلب إليهم الكف عن كل ما ينمي أو يصون تكوينهم الجسدي، وذلك كي تسارع أرواحهم في الانطلاق من قيد الجسد، والخلاص من هذا"العدم"المظلم الناقص الشرير، والعودة إلى"الوجود"الكامل الخير المنير!
كذلك حين ننظر إلى التصورات الكنسية التي اصطبغت بها النصرانية، ونراها تعامل التكوين الإنساني - المؤلف من المادة والروح - في حالة ازدواج مركب كامل - كما لو كان غلظة منكرة! يجب التخلص منها، والتطلع إلى هذا الخلاص في انفصال عالم الروح عن عالم الجسد، وفي استقذار كل ما هو جسدي على الإطلاق، فضلًا على تكليف الإنسان ما لا يطاق ... على سبيل المثال، معاشرة زوجة لا يطيق عشرتها، أو الانفصال عنها - دون طلاق - مع عدم معاشرة زوجة أخرى بعدها! وغير هذا كثير في التصورات الكنسية، التي تصادم فطرة الإنسان وتكوينه الواقعي!
إن الإسلام دين للواقع، دين للحياة، دين للحركة، دين للعمل والنتاج والنماء دين تطابق تكاليفه للإنسان فطرة هذا الإنسان، بحيث تعمل جميع الطاقات الإنسانية عملها الذي خلقت من أجله، وفي الوقت ذاته يبلغ الإنسان أقصى كماله الإنساني المقدر له، عن طريق العمل والحركة، وتلبية الطاقات والأشواق، لا كبتها أو كفها عن العمل، ولا إهدار قيمتها واستقذار دوافعها ...
ومن ثم تتحقق صفة"الواقعية"للمنهج الإسلامي الموضوع للحياة البشرية، تحققها للتصور الإسلامي ذاته عن الله والكون والحياة والإنسان، ويتطابق التصور الاعتقادي والنهج العملي في هذا الدين تطابقًا لا تفاوت فيه.
ومن ثم ينطلق الإنسان بكل طاقاته، يعمّر في هذه الأرض ويغيرن وينمي في موجوداتها ويطوّر، ويبدع في عالم المادة ما شاء الله له أن يبدع، لا يقف في وجه حاجز من التصور الاعتقادين ولا من المنهج العملي، فكلاهما"واقعي"مطابق لواقعية الكينونة الإنسانية وللظروف الحقيقية المحيطة بها في هذا الكون من حولها، وكلاهما صادر من الجهة التي صدر عنها الإنسان، والتي زودته بطاقاته واستعداداته.
ومن ثم يتسنى للإنسان، المؤمن بهذه العقيدة، المدرك لحقيقة التصور الإسلامي، وللمنهج الإسلامي المنبثق منه، أن ينشئ من الآثار الواقعية في هذه الأرض، وأن يحقق من الإبداع المادي فيها، وفاق ما ينشئه من الصلاح الأخلاقي، وكفاء ما يحققه من الرفعة والتطهر، في تناسق وتوازن وشمول وإيجابية وواقعية؛ {فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [الروم: 30] .